دولة الانسجام العرقي والثقافي!/ محمد ولد المنى

خاض جنوب السودان حرباً مريرةً لنحو ستة عقود من أجل الانفصال والاستقلال، سعياً لإقامة دولة تجسد خصوصياته الدينية والعرقية واللغوية والثقافية.. لكن لم تمض عشرُ سنوات على انفصاله وإقامة دولته الوليدة حتى تفجرت حرب أهلية طاحنة بين قبائله الثلاث، أي الدينكا والنوير والشلوك، وهي حرب قضت على كل الأوهام والأساطير التي مثلت وقوداً لحرب الستين عاماً، أي أوهام التجانس الثقافي والعرقي الذي يصنع دولة الاستقلال والاستقرار والتنمية والرفاه والسعادة!
أما السودان (أو السودان الشمالي) الذي منَّى نفسَه، بعد خسارته الجنوبَ المنفصل عنه، بالتفرغ لمعركة التنمية والبناء والتطوير، في ظل انسجام لغوي وديني واسع، فسرعان ما عاد للحروب الداخلية بين مكوناته، قبل أن تنفجر حربُه الطاحنة الكبرى بين ضابطين من المكون العرقي واللغوي ذاته.
والخلاصة أن فكرة الانسجام اللغوي والديني والثقافي فكرة مثالية ولا وجود لها في الواقع، وحتى إن وجدت فهي لا تشكل ضمانةً للاستقرار والتطور في غياب المؤسسات القوية متمثلةً في دولة القانون التي تحمي الجميع ولا تسمح بالتعدي على المال العام، وإلا لكان الصومال، وهو البلد الأكثر تجانساً على وجه الأرض، من النواحي العرقية واللغوية والدينية والمذهبية، أكثرَ بلدان العالم استقراراً وازدهاراً!