حين يكون الحوار فعل دولة لا مناورة سلطة/ سيدي ولد النمين

ليس كلُّ حوارٍ يُدعى إليه يُراد به الإصلاح، ولا كلُّ انفتاحٍ سياسيٍّ دليلَ نُبل المقاصد، غير أنّ دعوة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى حوارٍ وطنيٍّ شامل، جاءت محمولةً على خطابٍ هادئ، ومسنودةً بتأكيدٍ لافتٍ في دلالته: أن نتائج هذا الحوار ليست له، ولا لحزبه، بل لموريتانيا المستقبل.

وما بين العبارة ومعناها، تتجلّى فلسفةُ رجلِ دولةٍ يدرك أن السلطة زائلة، وأن الأوطان باقية، وأن ما يُؤسَّس اليوم بالحكمة، يحمي الغد من الارتجال.

لقد كان اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس ببعض ممثلي الأحزاب السياسية أقرب إلى جلسة مصارحةٍ مسؤولة منه إلى مناسبةٍ بروتوكولية؛ إذ لم يُطرَح الحوار بوصفه ترفًا سياسيًا، ولا كأداة امتصاصٍ للغضب، بل كخيارٍ استراتيجيٍّ لتدبير الاختلاف، وتنظيم التعدّد، وصياغة تعاقد وطنيٍّ جديد تُشارك فيه الإرادات بدل أن تتصادم.

وفي السياق ذاته، لم يكن إفراج وزارة الداخلية عن تراخيص عدد من الأحزاب الجديدة خطوةً إداريةً صِرفة، بل إشارةً سياسيةً بليغة، مفادها أن تجديد الطبقة السياسية لم يعد مؤجَّلًا، وأن دماءً شابة، عُرفت بصدق الكلمة، ووحدة الموقف، ونظافة السيرة، بات لها موطئ قدمٍ مشروع في الساحة الوطنية.

إنها محاولة لضخّ وعيٍ جديد في شرايين العمل السياسي، بعد أن أنهكه التكرار، وأثقله الاستهلاك، وأضعفته القطيعة بين الأجيال.

ولعلّ ما يلفت النظر – ويُسجَّل للرئيس لا عليه – أن كثيرًا ممن حضروا جلسة الحوار آثروا ألا يوجّهوا النقد إليه مباشرة، لا خوفًا ولا نفاقًا، بل احترامًا لرجلٍ جمع بين الوقار الشخصي، والنزاهة الوطنية، واتزان الخطاب، فاختاروا أن يضعوا اللوم حيث يرونه أليق على بعض من حوله، ممن قد لا يعكس أداؤهم دائمًا روحه ولا نهجه.

وهو تمييزٌ ذكي، لا يصدر إلا عن وعيٍ بأن الرئيس نفسه محلُّ ثقة، وأن الإشكال – إن وُجد – فهو في الوسائط لا في المقاصد.

إن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لا يقدّم نفسه منقذًا، ولا يرفع خطابًا شعبوياً صاخبًا، بل يمضي بخطى هادئة، كمن يعرف أن البناء المتين لا يُرى سريعًا، وأن الدولة لا تُدار بالانفعال، بل بالحكمة، ولا تُحصَّن بالشعارات، بل بالمؤسسات.

هو رئيسٌ يراهن على التهدئة بدل الاستقطاب، وعلى الشمول بدل الإقصاء، وعلى الزمن الطويل بدل المكاسب العاجلة.

وإذا كان الحكم على الحوارات لا يكون بالنيات بل بالنتائج، فإن المؤشرات الأولى تبعث على قدرٍ مشروع من التفاؤل؛ تفاؤلٌ حذر، لا ساذج، يرى في هذا المسار فرصةً حقيقية لتصحيح الأعطاب، وإعادة الثقة، وترسيخ ثقافة سياسية يكون فيها الخلاف رحمة، والتعدد ثراء، والوطن سقفًا للجميع.

إنه حوارٌ، إن صدقت الإرادة واكتملت الشروط، قد يُكتب له أن يكون علامةً فارقة، لا في سجلّ رئيسٍ، بل في مسار أمة.

8 January 2026