أمنياتي لوطني بمناسبة العام الجديد/ الدكتور عبد الرحمن ولد حمودي

أيها المواطنون الأعزاء،
ندخل عاما جديدا وقد تراكمت على وطننا العزيز تحديات جسام لم يعد من اللائق التعامل معها بلغة المجاملة، لأن شعبنا مل الخطابات المزخرفة والوعود المخلفة والفرص الضائعة والمضيعة. نبدأ عامنا الجديد في محيط إقليمي مضطرب، تتبدل فيه موازين الأمن على الحدود وتتسع فيه ضغوط المعيشة وتتعقد فيه أسئلة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، كما يتزايد فيه احتياج الدولة إلى إدارة رشيدة تتقن ما هو أكثر من تبرير الفشل وإعادة إنتاجه ومن تبديد الموارد في الارتجال وشراء الذمم.
أمنياتي لوطني في هذا العام أن يغادر دائرة الأزمات المتكررة إلى أفق دولة تتقن صناعة القرار وتسهر على ترتيب الإنفاق العام على أساس الضرورات، وأن يتغلب على تحديات غلاء الأسعار وضيق العيش عبر سياسة اقتصادية تعيد الاعتبار للإنتاج والعدالة وتضع التشغيل في قلب القرار بحيث يلمس المواطن نتائج تلك السياسة في تكلفة العيش وفرص العمل وجودة الخدمات، وأن نواجه تحديات الفساد بمحاصرته عند المنبع فنحارب الامتيازات غير المستحقة ونربط المسؤولية بالمحاسبة، ونضع المال العام في مقام الأمانة التي تحرسها الشفافية والانضباط بعيدا عن منطق الغنيمة التي تفترسها المحاباة والزبونية والانفعالات البدائية المعادية للدولة.
أمنياتي لوطني أن يحافظ على أمنه وحدوده من دون أن يكون على المجتمع أن يدفع ثمن الاستقرار وحده عبر التضييق على الحريات وارتفاع الأسعار وتعطيل الحركة والتجارة؛ وأن تمتد عناية الدولة إلى أطرافها لتؤمن حضورا عادلا وفعالا في القرى والأحياء والأسواق يطمئن الناس ويغلق منافذ الهشاشة؛ وأن نتعامل مع المخاطر الصامتة بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع المخاطر الصاخبة، لأن الخطر لا يأتي دائما في صورة انفجار ظاهر، بل كثيرا ما يتسلل عبر التهريب والتطرف والجريمة والنزوح، كما يتسلل عبر أحداث صغيرة تتكرر وتتراكم حتى تصير عبئا ثقيلا على الدولة والمجتمع.
أمنياتي كذلك أن يخرج بلدنا من الاستقطاب الذي يستهلك طاقته ومن الخصومات التي تحول السياسة إلى معارك شخصية؛ وأن نتعلم أن الاختلاف يمكن أن يكون تنافسا شريفا، وأن نستعيد قيمة الحوار بوصفه أداة لتقريب المسافات بين الفرقاء، وأن نعلي من شأن المؤسسات بحيث يكون الاحتكام للقانون أقوى من الاحتكام للنفوذ، وبحيث يكون صوت المواطن أعلى من صوت الزبونية والولاءات الضيقة؛ وأن تتسع الوطنية لتحتضن الجميع في إطار وحدة جامعة لا تقصي أحدا كما لا تسمح لأحد بأن يجعل اختلافه ذريعة لتمزيق المشترك.
أمنياتي لوطني أن ينتصر للتعليم بوصفه معركة السيادة الأولى؛ وأن نعيد الاعتبار للمدرسة والجامعة لأن الأمم لا تصنعها السوق ولا البلاغة وإنما تقوم على العقول التي تنتج المعرفة وعلى القيم التي تنظم المجال العام؛ وأن نمد جسورا حقيقية للشباب من خلال خلق فرص عمل وتكوين وفضاء سياسي يحترم طاقاتهم ويستثمرها بدل أن يدفعها إلى الإحباط أو الهجرة أو الغضب.
أمنياتي لوطني أن تتحول ثرواتنا إلى نعمة وليس إلى فتنة، وأن تصبح موارد الغاز والمعادن والبحر والزراعة أبوابا لتنمية عادلة بدل أن تصبح منافذ لأشكال تفاوت جديدة؛ وأن تصل ثمرات هذه الموارد إلى المواطنين على شكل خدمات محسوسة وصحة ومياه وكهرباء وطرق، وفي صورة اقتصاد يخلق قيمة داخلية مضافة ويقوي الإنتاج بدل أن يكتفي بتصدير المواد الخام واستيراد الحاجيات؛ وأن تقوم علاقاتنا الخارجية على التوازن والسيادة ونبني شراكاتنا على الندية ونحفظ لبلدنا حقه في قرار مستقل يجعل مصلحته فوق كل اعتبار.
أيها المواطنون الأعزاء،
في العام الجديد أتمنى أن نمتلك شجاعة قول الحقيقة والاعتراف بالحقيقة؛ وأن ندرك أن حماية الوطن لا تتم بالخوف ولا بالتخوين ولا بتوزيع الاتهامات، وإنما بمنطق دولة يحسن إدارة الاختلاف وبمعارضة مسؤولة تعرف حدودها وواجبها وبسلطة تحترم الدستور وتقبل المساءلة وبمجتمع يراقب ويطالب ويشارك ويضغط؛ وأتمنى أن يكون هذا العام عام مصالحة مع العمل ومصالحة مع القانون ومصالحة مع فكرة واضحة لا لبس فيها تتمثل في أن الوطن أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب.
كل عام ووطننا أرقى وعيا وأرسخ ديمقراطية وأعدل قضاء وأوسع أفقا وأقرب إلى أحلام أبنائه.

الدكتور عبد الرحمن ولد حمودي رئيس حزب من أجل مورينانيا قوية 

11 January 2026