حزب الصواب: هشاشة لوجستية تهدد الأمن القومي وتنغص الحياة الوطنية (افتتاحية)

قال حزب الصواب أزمة الوقود الراهنة ينبغي أن تكون جرس إنذار حقيقياً، وفرصة لإعادة التفكير في أولويات الاستثمار العمومي، طبقا لنص الافتتاحية التالية:
افتتاحية الجمعة 16/01/2026
(هشاشة لوجستية تهدد الأمن القومي وتنغص الحياة الوطنية )
تعاني بلادنا من أزمة حادة في الوقود، تتكرر باستمرار تنعكس على حركة النقل، وربما أسعار السلع، وسير المرافق الحيوية، في مشهد يطرح بمرارة سؤال الأمن الطاقي بوصفه أحد أعمدة السيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي. والمفارقة الصارخة أن هذه الأزمة تقع في بلد يمتلك واجهة بحرية تمتد لأكثر من 700 كيلومتر، ويتوفر على أربعة موانئ موزعة جغرافياً بشكل يتيح – نظرياً – تأمين إمدادات المحروقات في مختلف الظروف.
فإلى جانب ميناء نواذيبو في أقصى الشمال، وهو ثاني أكبر موانئ البلاد وأكثرها نشاطاً، توجد موانئ في الوسط مثل ميناء الصداقة قرب العاصمة نواكشوط وميناء تانيت، إضافة إلى ميناء انجاكو في أقصى الجنوب على الحدود السنغالية. هذا التوزيع الجغرافي، لو أحسن استثماره، كان يمكن أن يشكل شبكة أمان لوجستية فعالة، قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية وضمان الحد الأدنى من الإمدادات في حالات الطوارئ.
غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في الاستيراد أو الموانئ، بل في غياب قدرة تخزين استراتيجية للمحروقات. فموريتانيا لا تتوفر على خزانات استراتيجية كبرى تسمح بتكوين احتياطي وطني يكفي لأسابيع أو أشهر، من باب أولى سنوات كما هو معمول به في كثير من الدول، بما فيها دول أقل امتداداً بحرياً أو إمكانيات. هذه الثغرة تشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي، لأنها تجعل البلاد رهينة لتقلبات سلاسل الإمداد الخارجية، سواء بسبب أزمات صحية عالمية كما حدث خلال جائحة كوفيد-19، أو بسبب توترات إقليمية، واردة بشكل كبير في كل لحظة أو حتى أعطال تقنية وتأخيرات لوجستية.
لقد سبق لبعض الباحثين العسكريين والخبراء في قضايا الدفاع أن نبهوا إلى هذه المعضلة، وطالبوا ببناء خزانات ضخمة للمحروقات توضع تحت تسيير الجيش الوطني، باعتباره المؤسسة الأقدر – نظرياً – على إدارة منشآت استراتيجية ذات طابع سيادي، وضمان حمايتها واستمرارية عملها في أوقات السلم والحرب. فالمحروقات ليست مجرد سلعة تجارية، بل شريان حياة للاقتصاد، وللقوات المسلحة، وللمستشفيات، ومحطات الكهرباء، والمياه، والنقل، وكل مفاصل الدولة الحديثة.
غير أن هذه المقترحات قوبلت بالرفض أو التجاهل، غالباً تحت مبرر التخوف من سوء التسيير وضعف الحكامة، وهي حجة تكشف في حد ذاتها عن معضلة أعمق: كيف يمكن لدولة أن تبرر عدم بناء بنية تحتية استراتيجية لأنها تخشى سوء إدارتها؟ أليس الأجدر معالجة الخلل في الحكامة وبناء آليات رقابة ومساءلة، بدل ترك البلاد مكشوفة أمام أزمات متكررة؟
إن الأمن الطاقي لا ينفصل عن الأمن الوطني الشامل. فالدول التي تحترم نفسها تبني احتياطاتها الاستراتيجية في أوقات الرخاء، لا حين تقع الأزمات. كما أن إشراك الجيش أو وضع هذه المنشآت تحت إشرافه لا يعني بالضرورة عسكرة الاقتصاد، بل يمكن أن يتم في إطار قانوني واضح، بشراكة مع مؤسسات مدنية، ومع خضوع كامل للرقابة البرلمانية والمالية.
إن أزمة الوقود الراهنة ينبغي أن تكون جرس إنذار حقيقياً، وفرصة لإعادة التفكير في أولويات الاستثمار العمومي. فبناء خزانات استراتيجية للمحروقات، موزعة قرب الموانئ الكبرى، ليس ترفاً ولا مشروعاً مؤجلاً، بل ضرورة وجودية لدولة تواجه محيطاً إقليمياً ودولياً شديد التقلب. ومن دون ذلك، ستظل موريتانيا عرضة لأزمات متكررة، تدفع ثمنها الفئات الهشة، ويُستنزف بسببها الاقتصاد، وتُقوض بها ثقة المواطن في قدرة الدولة على تأمين أبسط مقومات الحياة والأخطر من ذلك أن تكون أهم ضمانات سيادتنا في القدرة على التحرك الدفاعي والأمني مرتبطة بما نزود به و(نغاث) من طرف جارنا الجنوبي وتلك هي قمة الانكشاف الاستراتيجي .
