وقود ليبيا في قلب معركة احتواء النفوذ الروسي

فازت شركات نفطية عالمية من بينها ''فيتول'' وترافيغورا" و"توتال إنرجيز" بعطاءات لتزويد ليبيا بالبنزين، وذلك في الوقت الذي ترفع فيه البلاد وتيرة منح الشركات الغربية الكبرى الوصول إلى سوقها وخفض وارداتها من الوقود الروسي.

وتحمل هذه الخطوة أبعاداً تتجاوز مجرد صفقات تجارية إذ تعكس تحولاً استراتيجياً في موازين القوى والنفوذ داخل البلد النفطي الذي يحاول استعادة استقراره. كما تمثل نقطة تحول في مساعي الغرب لمحاصرة التغلغل الروسي في شمال أفريقيا.

وتشهد ليبيا حاليا عملية إصلاح شاملة لقطاعها النفطي بعد مرور 15 عاما ‌على سقوط نظام معمر القذافي ‌وسنوات شهدت حروبا أهلية. وتنتج البلاد نحو 1.4 ‌مليون برميل من الخام يوميا، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة للتكرير، مما يجعلها تعتمد على واردات الوقود.

ولسنوات، اعتمدت أطراف في ليبيا على الوقود الروسي، أحياناً عبر عمليات "مقايضة النفط الخام بالوقود"، وهي آلية كانت تمنح موسكو قدرة عالية على المناورة السياسية والاقتصادية.

ويعني التحول نحو العطاءات التنافسية التي فازت بها شركات غربية اعتماد معايير "الشفافية" و"السوق المفتوحة"، وهو ما يسحب البساط من تحت صفقات الظل أو الترتيبات الخاصة التي كانت تفضلها الشركات الروسية.

ويأتي فوز الشركات الغربية بالتزامن مع توجه دولي (بقيادة أميركية وأوروبية) لتقليل اعتماد الدول النامية والحليفة على مشتقات النفط الروسية. وترغب القوى الغربية في تحويل ليبيا من "منطقة نفوذ رمادية" لروسيا إلى شريك طاقة موثوق للغرب، ليس فقط كمصدر للنفط الخام، بل كوقود لاستقرار منطقة المتوسط.

وتنظر موسكو إلى ليبيا كحلقة وصل إستراتيجية بين نفوذها في أفريقيا (عبر الفيلق الأفريقي/فاغنر سابقاً) ومصالحها في المتوسط. وتعني خسارة عقود التوريد فقدان تدفقات مالية كانت تساعد الشركات الروسية على الالتفاف على العقوبات الدولية.

ويخشى الكرملين أن يكون قطاع الطاقة "رأس الحربة" الذي سيتبعه تقليص الوجود الروسي في الملفات العسكرية والسياسية، خاصة مع رغبة المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس في نيل ثقة واشنطن وبروكسل.

وينتظر أن تحاول الشركات الغربية التي فازت بالعقود استغلال، الفجوة التكريرية التي تشهدها، ليبيا لتعزيز استدامتها في السوق الليبي، بينما قد تحاول روسيا تحريك أوراق الضغط السياسي لعرقلة هذه المسارات أو المطالبة بحصة من "كعكة" التكرير المستقبلية.

ويُعد "تأخر" القطاع النفطي في ليبيا مفارقة اقتصادية مؤلمة؛ فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في أفريقيا (نحو 48 مليار برميل)، لا تزال تعجز عن تلبية احتياجاتها المحلية من البنزين والديزل، وتعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 45 بالمئة من الطلب الداخلي.

وتعود معظم المنشآت النفطية الليبية، من خطوط أنابيب وخزانات، إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وشهد عام 2025 وما قبله حوادث تسرب نفطي كبرى (مثل ما حدث جنوب الزاوية) بسبب تآكل الأنابيب التي انتهى عمرها الافتراضي. كما استنزفت الحروب الأهلية ميزانيات الصيانة، مما جعل المؤسسة الوطنية للنفط تعمل "بإدارة الأزمات" بدلاً من التطوير الاستراتيجي.

وتمتلك ليبيا 5 مصافي تكرير رئيسية، لكن معظمها يعمل بطاقة منخفضة أو تكنولوجيا متقادمة وتعد مصفاة الزاوية الأكبر وتضررت مراراً بسبب النزاعات المسلحة والحرائق، وتعمل غالباً دون طاقتها القصوى.

ورغم الإعلان عن مشروع مصفاة الجنوب إلا أن نقص التمويل والانقسام السياسي أخّر البدء الفعلي لسنوات، وهو المشروع الذي كان يُفترض أن ينهي أزمة الوقود في مناطق الجنوب.

وتشهد ليبيا مفارقة أخرى حيث تستورد الوقود بالعملة الصعبة ثم تبيعه مدعوماً بأسعار هي الأرخص عالمياً، مما يغذي شبكات تهريب دولية منظمة وتشير التقديرات إلى أن نحو 30 إلى 40 بالمئة من الوقود المستورد يتم تهريبه خارج الحدود أو بيعه في السوق السوداء، مما يجعل زيادة الاستيراد (أو حتى الإنتاج المحلي) حلاً غير مجدٍ دون إصلاح منظومة الدعم.

المصدر: https://www.middle-east-online.com/%D9%88%D9%82%D9%88%D8%AF-%D9%84%D9%8A...

18 February 2026