المرأة الفولانية والأمازيغية… تشابه في روح الأرض وثقافة الزراعة

في عمق القارة الإفريقية، حيث تتقاطع الحضارات وتتداخل الثقافات، تظهر ملامح تشابه لافتة بين المرأة الفولانية والمرأة الأمازيغية، ليس فقط في العادات الاجتماعية أو المظهر التقليدي، بل في علاقتها العميقة بالأرض والزراعة، وهي علاقة تشكل جزءاً أساسياً من هويتها الثقافية ودورها داخل المجتمع.
تنتمي المرأة الفولانية إلى مجتمع الفولاني المنتشر في مناطق واسعة من غرب ووسط إفريقيا، من السنغال ومالي إلى النيجر وتشاد. وقد ارتبطت حياتها منذ قرون بالأرض وبالأنشطة الزراعية والرعوية، حيث تشارك بفاعلية في زراعة الحبوب والخضروات، وإدارة الموارد الزراعية للأسرة. ولا يقتصر دورها على العمل الزراعي فحسب، بل يمتد إلى حفظ البذور التقليدية ونقل المعارف الزراعية عبر الأجيال، ما يجعلها حارسة للذاكرة الزراعية في مجتمعها.
هذا الدور يذكّر إلى حد كبير بمكانة المرأة الأمازيغية في شمال إفريقيا، خصوصاً في المناطق الجبلية والريفية من الجزائر والمغرب وتونس. فالمرأة الأمازيغية تُعدّ عماد النشاط الفلاحي في القرى، إذ تشارك في حرث الأرض، وجني المحاصيل، وتربية الماشية، فضلاً عن إشرافها على تخزين الغلال وصناعة المنتجات التقليدية المرتبطة بالزراعة مثل زيت الزيتون والحبوب المجففة.
النساء الأمازيغيات
ويتجلى التشابه أيضاً في البعد الثقافي والرمزي لعلاقة المرأة بالأرض. ففي الثقافتين الفولانية والأمازيغية تُنظر إلى الأرض باعتبارها مصدر الحياة والكرامة والاستمرارية، لذلك تحظى المرأة التي تعتني بها بمكانة خاصة داخل المجتمع. فكما تُعد المرأة الفولانية رمزا للخصوبة والاستقرار الريفي، تمثل المرأة الأمازيغية كذلك رمزا للحفاظ على التوازن بين الإنسان والطبيعة.
كما يظهر التقارب في طبيعة القيم المرتبطة بالعمل الزراعي، مثل الصبر والالتزام والعمل الجماعي، وهي قيم تتجسد في حياة النساء في كلا المجتمعين. فالعمل في الحقول، سواء في سهول الساحل الإفريقي أو في جبال الأطلس والقبائل، يفرض نمطاً من التضامن الاجتماعي حيث تتعاون النساء في مواسم الزراعة والحصاد.
ولعل السياق التاريخي لمجتمع الفولاني يعزز هذا التشابه مع المرأة الأمازيغية، حيث استمرت ثقافة الشعب الفلان في الظهور في منطقة أعالي نهري النيجر والسنغال. كان الفلان مزارعي الماشية الذين تقاسموا أراضيهم مع مجموعات أخرى مجاورة، مثل السونينكي، الذين ساهموا في صعود غانا القديمة، مع التوسع باتجاه الشرق والغرب بقيادة مجموعات بدوية من مربي الماشية أو فولشي لاد.
النساء الفولانيات
ومع توافر المراعي، زاد حجم المجموعات الأولية، ما أدى إلى تقسيم الفلان بين الرحل التوسعيين والفولاني المستقرين الذين اختاروا التخلي عن طرق البدو التقليدية والاستقرار في المدن. وكانت مدن الفلان نتيجة مباشرة للتراث البدوي، وغالبًا ما أسسها أفراد اختاروا ببساطة الاستقرار في منطقة معينة بدلاً من الاستمرار في الترحل.
هذا التفاعل الثقافي حدث بشكل خاص في السنغال، حيث أدى الترابط اللغوي والاجتماعي إلى تكوين ثقافة ولغة الفلان قبل التوسع لاحقًا في أنحاء كثيرة من غرب إفريقيا. وتشير بعض النظريات إلى أن الفلان كانوا في الأصل يتحدثون الأمازيغية وعبروا السنغال لرعي ماشيتهم، وتبنوا تدريجياً لغة جيرانهم الجدد. واستمرت سلسلة الهجرات هذه شرقًا وجنوبًا في جميع أنحاء غرب إفريقيا حتى يومنا هذا، مع تسجيل وجودهم في مناطق مثل هاوسالاند وبورنو وباقرمي خلال القرون الوسطى، حيث لعب الفلان دورًا فاعلاً في تشكيل المجتمعات الزراعية والبدوية على حد سواء.
إن المقارنة بين المرأة الفولانية والمرأة الأمازيغية تكشف عن جذور ثقافية مشتركة في القارة الإفريقية، حيث تتقاطع أنماط الحياة الزراعية مع قيم اجتماعية متقاربة. وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المجتمعات الإفريقية اليوم، يظل هذا الدور الزراعي والثقافي للمرأة شاهداً على قوة ارتباطها بالأرض، وعلى مساهمتها العميقة في استمرارية الحياة الريفية وحفظ التراث.
وبذلك تبدو المرأة الفولانية والمرأة الأمازيغية صورتين متقاربتين لامرأة إفريقية جعلت من الأرض شريكاً في حياتها، ومن الزراعة هويةً ثقافية تتوارثها الأجيال.
المصدر: صحيفة الأيام نيوز
