حزب الصواب: إغلاق الإعلام العمومي في وجه المعارضة(افتتاحية)

افتتاحية الأربعاء 2026/05/20
(اغلاق الإعلام العمومي في وجه المعارضة )
في بلدٍ يحاول، بشقّ الأنفس، تعلّم المشي على درب التعددية والديمقراطية، لا تكون حرية الإعلام وانفتاح وسائل الإعلام العمومية على مختلف الفاعلين السياسيين ترفًا، بل ضرورة لا غنى عنها لبناء مستقبل تعددي ما يزال بعيد المنال. ومع الأسف، تتقلص في كل مرة فرص تشييد جيل جديد من الإصلاحات الديمقراطية والمؤسساتية القادرة على إبعاد البلاد عن حالة التردد بين الخيار الديمقراطي الحقيقي والبقاء في دائرة النظام السلطوي القائم على حكم الفرد، ونفوذ الفساد، وتمجيد البنى المتشبثة بامتيازات الوراثة، وسحق المغبونين اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا، وتعميق تهميشهم.
ففي أي ديمقراطية حقيقية، لا يمكن أن توجد حكومة من دون معارضة تمتلك حق التعبير عن نفسها عبر الإعلام، والحضور في مختلف مؤسسات المجتمع والدولة. ومن يلقِ نظرة سريعة على تقرير السلطة العليا للسمعيات البصرية، المنشور يوم 2026/05/19، و اعتمد على تحليل 2549 ساعة و40 دقيقة من البث، سيدرك حجم الاختلال القائم؛ إذ لم تتجاوز حصة المعارضة 0.65%، مقابل 67.08% للحكومة، و4.23% للأغلبية الداعمة لرئيس الجمهورية. أي إن الحكومة حصلت على وقت بث يفوق حصة المعارضة بنحو 103 مرات، فيما نالت الأغلبية الداعمة للرئيس وقتًا يفوقها بحوالي ست مرات ونصف.
فماذا يمكن لمحلل منصف أن يتوقع من فرص الرقابة الديمقراطية، وتعزيز الشفافية، وترسيخ الحكامة الرشيدة، في ظل إغلاق الإعلام العمومي أمام جهات الرقابة والنقد والتقييم؟
وهي قوى المعارضة الديمقراطية  بمختلف تشكيلاتها وروافدها وطيفها الوطني الواسع الذي حاز في آخر منازلاته للنظام على ما يقارب نصف الناخبين رغم تنظيمها في ظروف إدارية وفنية ليست لصالحه مطلقا ..
ورغم التنويه المستحق بهذا التقرير، باعتباره أول تقرير يغطي سنة كاملة (2025) حول التعددية الإعلامية، وما كشفه من أرقام صادمة، تبقى مسؤولية السلطة العليا للإعلام قائمة في التنبيه إلى خطورة عدم احترام القانون الذي يفرض تخصيص حصة للمعارضة في الإعلام العمومي لا تقل عن 30%. 
فحرمان المعارضة من هذا الحق لا يؤدي إلا إلى تقريب النار من الحطب، في ظرف يتزايد فيه شعور المواطنين باحتقار السلطة لهم والحد من حرياتهم وتوسيع السجون أمامهم، وتدني قيمتهم لديها، ويتفاقم فيه تغوّل الفساد، وتمدد جذوره وأذرعه، وتورّق أغصانه على حساب أنين الجوعى والمرضى والمنهكين.
وفي الوقت الذي تتجاوز فيه البطالة 30% بين الشباب المتعلم، ويواصل التفاوت الطبقي والاجتماعي زرع مزيد من الحقد والغضب في النفوس، وهي بذور سريعة الاشتعال، قادرة على تغذية الاضطراب وانعدام الاستقرار والسلم الأهلي والسكينة أكثر مما تفعله أكثر الإيديولوجيات في العالم تطرفًا وغلوا..

20 May 2026