أي سلام نريد؟ / بقلم الشيخ المحفوظ بن بيه  الأمين العام لمنتدى ابوظبي للسلم 

 

في كل حرب يرفع المتحاربون شعارات النصر، لكن التاريخ يخبرنا أن أكثر الحروب تنتهي إلى طاولة مفاوضات، وأن أكثر الصراعات دموية تنتهي إلى تسويات لم يكن أحد مستعدا لقبولها في بدايات النزاع. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس متى تنتهي الحروب، بل أي سلام نريد عندما تنتهي ؟

لقد شاع في الأذهان أن السلام هو حالة انسجام بين أطراف متحابة ومتوافقة، وأنه نتيجة طبيعية للتفاهم والتقارب، غير أن الواقع الإنساني أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، فالسلام في أغلب الأحيان لا يولد بين المتحابين لأن المتحابين لا يحتاجون أصلا إلى صناعة السلام. السلام يولد بين الخصوم، وبين المتنافسين، وبين أولئك الذين أنهكتهم الصراعات واستنزفتهم المواجهات، السلام ليس اتفاقية بين متحابين، بل هو اليأس من كل بدائل السلام.

إنه اللحظة التي تدرك فيها الأطراف المتنازعة أن الحرب لم تحقق أهدافها، وأن القوة لم حسم القضايا العالقة، وأن خطاب الكراهية لم ينتج إلا مزيدا من الأحقاد ، وأن الدماء التي أريقت لم تفتح طريقا إلى المستقبل. إنه الاعتراف الصعب بأن الوسائل التي جربت لعقود لم تنجح في حل المشكلات أو تحقيق المطالب التي قامت النزاعات من أجلها.

وعندما تصل الأمم والشعوب إلى هذه القناعة تبدأ رحلة جديدة ليست رحلة الاستسلام، بل رحلة البحث عن مقاربات مختلفة للقضايا نفسها. فالسلام ليس التخلي عن المطالب المشروعة، وإنما البحث عن وسائل أكثر حكمة وإنسانية لتحقيقها.

إن الذين يظنون أن السلام يعني انتصار طرف وهزيمة طرف آخر يسيئون فهم طبيعة المجتمعات البشرية. فالانتصارات العسكرية قد تنهي المعارك، لكنها لا تنهي دائما أسبابها. وقد تفرض واقعا جديدا لبعض الوقت لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني الثقة أو تصنع الاستقرار أو تحقق المصالحة.

ولهذا فإن السلام الحقيقي يبدأ عندما ينتقل التفكير من سؤال: كيف نهزم الآخر؟ إلى سؤال: كيف نعالج المشكلة التي دفعتنا إلى الصراع أصلا ؟

فالحروب لا تنشأ من فراغ، وراء كل نزاع مخاوف، ومظالم حقيقية أو متخيلة، وطموحات، وأخطاء تاريخية، وسوء فهم، ومشاريع متنافسة. وإذا لم تُعالج هذه الجذور فإن الحرب قد تتوقف، لكن الصراع يبقى كامنا تحت السطح في انتظار فرصة جديدة للانفجار.

ومن هنا فإن السلام الذي نحتاجه اليوم ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل وقف لإنتاج الكراهية وليس مجرد اتفاق سياسي، بل بناء ثقافة جديدة تجعل التعايش ممكنا. وليس مجرد ترتيبات أمنية، بل مشروعا أخلاقيا وإنسانيا يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وكرامته.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن الحروب تبدأ بالكلمات قبل أن تبدأ بالأسلحة، يبدأ العنف بفكرة، ثم بخطاب، ثم بتحريض، ثم بتجريد الآخر من إنسانيته، حتى يصبح قتله أمرا مقبولا في نظر البعض. ولهذا فإن حماية السلام تبدأ من حماية اللغة العامة من الكراهية، ومن حماية المجال الفكري والديني والإعلامي من دعوات الإقصاء والتحريض.

إن عالمنا المعاصر يحتاج إلى شجاعة جديدة ليس شجاعة القتال، بل شجاعة المراجعة، يحتاج إلى قادة يمتلكون الجرأة على الاعتراف بأن استمرار النزاع ليس قدرا محتوما، وأن البدائل القديمة قد استنفدت نفسها، وأن الوقت قد حان للبحث عن حلول غير تقليدية لمشكلات تقليدية.

السلام الذي نريده هو سلام المسؤولية لا سلام الوهم. سلام يعترف بالواقع كما هو ، لا كما نتمنى أن يكون. سلام يوازن بين العدالة والاستقرار، وبين الحقوق والواجبات، وبين الذاكرة والمستقبل. سلام لا يبني استقراره على الخوف، ولا يقوم على الإذلال، بل على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

ولعل أعظم درس يقدمه لنا التاريخ هو أن الأمم التي استطاعت أن تتجاوز جراحها لم تكن تلك التي انتصرت في كل معاركها، بل تلك التي امتلكت الحكمة الكافية لتحويل الصراع إلى فرصة لبناء نظام جديد أكثر استقرارا وعدلا.

إن السلام ليس نهاية المطالب، بل نهاية الأوهام التي تقول إن العنف قادر على تحقيقها.

وليس السلام غياب الخلاف بل القدرة على إدارة الخلاف دون تدمير الإنسان والعمران.

وليس السلام تنازلا عن المستقبل، بل هو الشرط الضروري لصناعته.

ذالك هو السلام الذي نريد.

الشيخ المحفوظ بن بيه- الأمين العام لمنتدى أبوظبي للسلم

12 June 2026