جدلية المأمورية الثالثة للرئيس غزواني "بين الإلتزام الدستوري وطموحات الاستقرار السياسي "/الشيخ البال

تشهد الساحة السياسية الموريتانية نقاشاً متزايداً وجدلية واسعة حول إمكانية ترشح رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لمأمورية (فترة رئاسية) ثالثة. وتكتسب هذه الجدلية أهمية خاصة بالنظر إلى السياق القانوني والسياسي للبلاد، والتجارب السابقة المتعلقة بتداول السلطة.
الخلفية الدستورية: الحسم والقيود
يعد الدستور الموريتاني الصادر عام 1991 والتعديلات اللاحقة عليه، لاسيما تعديلات عام 2006، المرجعية الأساسية في هذا النقاش.
المادة 26 (جديدة): تحدد مأمورية رئيس الجمهورية بخمس سنوات.
المادة 28 (جديدة): تنص صراحة على أنه "يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة".
المواد القفلية: يتضمن الدستور مواد تحظر أي تعديل دستوري يمس عدد المأموريات الرئاسية أو يغير من صيغتها التناوبية، بل ويلزم الرئيس المنتخب بأداء قسم غليظ يتعهد فيه بعدم دعم أو السعي لتعديل هذه المواد.
من الناحية القانونية الصرفة، تبدو المسألة محسومة؛ فالرئيس الغزواني الذي انتخب لمأمورية أولى (2019-2024) وأعيد انتخابه لمأمورية ثانية، لا يحق له دستورياً الترشح لمأمورية ثالثة متتالية.
مواقف الأطراف: بين الموالاة والمعارضة
رغم وضوح النصوص القانونية، إلا أن المناخ السياسي يفرز قراءات ومواقف متباينة:
1. جناح الموالاة: دعاة الاستقرار والاستمرارية
يرى أنصار الرئيس والأغلبية الحاكمة أن البلاد حققت في عهده مكاسب استراتيجية تستدعي الحفاظ عليها. ويبرر البعض التفكير في التمديد أو المأمورية الثالثة بالآتي:
المشاريع التنموية: الرغبة في استكمال الخطط الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقت، لاسيما في مجالات التعليم والصحة ومكافحة الفقر.
الاستقرار الأمني: نجاح المقاربة الأمنية الموريتانية في منطقة الساحل المضطربة، مما يجعل استمرار القيادة الحالية صمام أمان للبلد.
البحث عن مخارج قانونية: يحاول بعض منظري هذا التيار البحث عن ثغرات أو سيناريوهات سياسية (مثل تعديل الدستور عبر استفتاء شعبي بناءً على سيادة الشعب) لتجاوز "المواد القفلية".
2. المعارضة والمجتمع المدني: التمسك بالتناوب السلمي
في المقابل، تقف قوى المعارضة والحركات الحقوقية والصحافة المستقلة بحزم ضد أي محاولة للمساس بالمأموريات، مستندة إلى:
احترام دولة القانون: اعتبار المساس بمواد المأموريات تراجعاً خطيراً عن المكتسبات الديمقراطية وهدماً لمبدأ التناوب السلمي على السلطة الذي ترسخ جزئياً في عام 2019.
منع الأزمات السياسية: التذكير بأن محاولات التمديد في دول الجوار الإفريقي والعربي قادت غالباً إلى عدم استقرار سياسي واحتجاجات شعبية واسعة.
تجديد النخب: التأكيد على أن موريتانيا تزخر بكفاءات قادرة على قيادة البلد، وأن الاستقرار ينبع من قوة المؤسسات لا من ارتباكها حول شخص واحد.
موقف الرئيس الغزواني: الثابت والمتغير
تاريخياً، أظهر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في مناسبات متعددة احتراماً للنصوص الدستورية، وأشار في مقابلات صحفية سابقة إلى التزامه بالدستور ومبادئ التناوب. ومع ذلك، فإن التجربة السياسية في المنطقة تعلّم المراقبين أن الضغوط من داخل الحزب الحاكم والمحيط السياسي، بالإضافة إلى التحديات الإقليمية، قد تخلق مناخاً يدفع نحو مراجعة المواقف أو البحث عن صيغ توافقية.
خلاصة القول: إن جدلية المأمورية الثالثة في موريتانيا ليست مجرد نقاش قانوني حول مواد دستورية، بل هي امتحان حقيقي لمدى نضج الديمقراطية الموريتانية وقدرة مؤسساتها على الصمود أمام إغراءات السلطة، وتحديد ما إذا كان البلد يسير نحو مأسسة التناوب السلمي أم سيعود إلى مربع السجالات السياسية الدستورية المحتدمة
فمتى يقذف اليم تابوت هذا الضياع؟
بقلم/الشيخ البال/مهندس بوزارة الصحة

13 June 2026