القاضي عبدالله اندكجلي يكتب: ملاحظات من الممارسة القضائية في مكافحة الفساد

ملاحظات من وحي الممارسة القضائية
قرابة السنتين من العمل القضائي على راس المحكمة المختصة بجرائم الفساد كانت تجربة فريدة ورائعة في معالجة اكثر القضايا المطروحة علي التشكلات القضائية الوطنية تعقيدا وتشعبا لتداخل الأبعاد الفنية والقضائية فيها وللطبيعة الخاصة لاطرافها ولأثارها الخطيرة والمدمرة لكونها لاتنحصر،في الإضرار بشخص اومجموعة بعينها وانما يتضرر منها الجميع وذلك لتعلقها باحدى الظواهر الإجرامية المتعارف على تسميتها بالفساد ومايتخذه من تجليات يمكن اختزالها في إساءة استخدام السلطة أو الوظيفة سواء كانت عامة اوخاصة لتحقيق مآرب شخصية أو مكاسب خاصة، تتخذ اشكالا وظواهر اجتماعية، وسياسية، واقتصادية معقدة تعيق التنمية وتقوض سيادة القانون وتهدد بشكل مباشر كيان الدولة واسسها لتعلقها بسلوكيات انحرافية كالرشوة،والمحسوبية،والتزوير، واختلاس المال العام....
صحيح ان المشرع الموريتاني قد خطى خطوات كبيرة في اطار تحسين وتحيين المناخ التشريعي والقضائي لمكافحة الفساد ومعالجة قضاياه وذلك من خلال ماقام باصداره مؤخرا من نصوص قانونية شكلت احكامها معالجة جادة للعديد من الاشكالات والنواقص التي كانت تعاني منها النصوص السابقة ، فأصدر المشرع سنة 2025 ثلاثة نصوص تشرعية هي القانون رقم 2025/021 المتعلق بمكافحة الفساد والقانون رقم 2025/22 المتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح والقانون رقم 2025/023 المتعلق بالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد.
وعلى الرغم مما قدمته تلك النصوص من معالجة لبعض الاشكالات التي اخفقت النصوص السابقة في معالجتها ، فان بعض النواقص والاشكالات ظلت قائمة وذلك لكون استنباطها لايمكن ان يتأتى الا من خلال الممارسة والتطبيق الميداني للنصوص التشرعية المتعلقة بمكافحة الفساد من منطلق ان نواقص وعيوب واشكالات النص القانوني وحاجته للتحيين والاضافة لاتمكن معرفتها وتحديد حقيقتها الا من خلال الممارسة والتطبيق .
ولعل من ابرز تلك الاشكالات :
1) ماتثيره طلبات التعاون القضائي الدولي ليس فيما يتعلق بتنفيذ طلبات المصادرة او الحجز اوالتجميد الموجهة للقضاء الوطني، وانما في تلك المتعلقة بتنفيذ احكام المصادرة الصادرة عن الهيئات القضائية الأجنبية في سعيها لاسترداد ماحكمت به من مصادرة لبعض اوكل العائدات الإجرامية الموجودة على اراضي الدولة الموجه اليها الطلب والتى يثير تنفيذها اشكالات لاتتعلق بالشروط والاجراءات الواجب توافرها في الطلب،وتلك المرفقة به وانما يتعلق،بطبيعة الاجراء الواجب تطبيقه لتنفيذ طلب الاسترداد او القرار الأجنبي القاضي بالمصادرة ، هل ان محكمة التنفيذ،المختصة التى هي المحكمة الجنائية المختصة بجرائم الفساد ستبت في الموضوع بواسطة اجراءات الاستعجال في غرفة مشورتها او عن طريق رئيسها وتصدر أمرا استعجاليا بتنفيذ،الحكم الأجنبي في حدود الأموال محل المصادرة موضوع الطلب ام انها تأمر فقط برد الاموال موضوع طلب التعاون القضائي الدولي ، او بالمصادقة على الحكم وهل ان المحكمة ستقوم بمعالجة الطلب بواسطة اجراءات الأصل فتبت فيه بحكم قضائي،وماطبيعة هذا الحكم هل هو تنفيذ لحكم اجنبي ام استجابة لطلب دولي يتعلق باسترداد بعض العائدات الاجرامية ....
حسب ما اطلعنا عليه من اتفاقيات ثنائية بين موريتانيا وغيرها من البلدان الاخرى بوصفها واجبة الطبيق،في مثل هذه الوقائع يمكن القول ان تلك الاتفاقيات لم تسعف في حل تلك الاشكالات وانما احالت في اجراءات تنفيذ طلبات التعاون القضائي الى قانون مكافحة الفساد للدولة المطلوب منها. فبالعودة الى المادتين 55 و56 من القانون رقم 2025/21 المتعلق بمكافحة الفساد يتضح ان المشرع الموريتاني قد نص في المادة 56 على المبدأ العام في تنفيذ الأحكام القضائية الاجنبية طبقا للقواعد والاجراءات المعمول بها في حدود طلب التعاون القضائي ، ما دامت تنصب على عائدات الجريمة او الممتلكات اوالمعدات او اية وسائل استعملت لارتكابها لتحيل في الاجراءات الواجب اتخاذها لتنفيذ الحكم الي ماهو وارد من احكام وترتيبات في المادة 55 التى نصت على ان طلب التعاون يوجه الى وزارة العدل التي تحوله مباشرة الى المحاكم المختصة بحيث يكون حكمها قابلا للاستئناف والطعن بالنقض وفقا للقانون ، وانطلاقا من ذلك يتضح ان المشرع الموريتاني قد اتجه في معالجته لتنفيذ هذا النوع من الاحكام الى تطبيق الاجراءات المعمول بها في الأصل خلافا لماهو معمول به من اجراءات في تنفيذ الأحكام الأجنبية امام التشكلات القضائية الوطنية الأخرى .
فتطبيق اجراءات الأصل في مجال تنفيذ الأحكام الأجنبية يثير اكثر من اشكال من منطلق ان المحكمة الجنائية المختصة بجرائم الفساد تطبق الاجراءات الخاصة بالمحاكم الجنائية العادية ومايطبعها من رتابة وبطء في الاجراءات يتعارض في حقيقته وواقعه مع ماهو مطلوب في العصر الحديث من سرعة وانسيابية في العمل القضائي ومع ما اكدت عليه الاتفاقيات الدولية والاقليمة والثنائية و القوانين الوطنية المتعلقة بمكافحة الفساد من سرعة في معالجة القضايا المتعلقة بالفساد خصوصا في مجالات التجميد والحجز والمصادرة والتنفيذ...
2) ماتثيره اجراءات التحقيق في بعض القضايا من نواقص واشكالات خصوصا في الجوانب المتعلقة بمحاضر التفتيش والبحث المالي الموازي ...... .باعتبار هذين العنصرين يشكلان الركيزة الأساسية للإستدلال في مجال جرائم الفساد ، اذ بحسن تدبير واعداد الجوانب الفنية تتجنب المحكمة وهي في سعيها لتكوين عقيدتها اللجوء الى الأمر باعداد بحث تكميلي اساسه البحث في جوانب الغموض فيما تم استعراضه من ابعاد فنية في القضية با اعتبارها الأساس الذي تم الاعتماد عليه في توجيه لائحة الاتهام وتحريك وممارسة الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة .
3) مايثيره بطء الاجراءات امام المحكمة الجنائية المختصة بجرائم الفساد من نواقص واشكالات وذلك لخضوعها لنظام الدورات الجنائية وما يكتنفه من طول وتعقيد في الاجراءات وعدم التمييز في تطبيقها بين ماهو جنائي وجنحي من قضايا .
فنظام الدورات الجنائية يتنافى والسرعة في الاجراءات المبني بالأساس على حق المتهم في الإسراع بمحاكمته وفق اجراءات تكفل عدم اطالة حبسه الإحتياطي وإقامة الظروف اللازمة لمحاكمته محاكمة عادلة......وعليه يتعين تعديل النص الاجرائي بالشكل الذي يتم من خلاله استبدال نظام الدورات الجنائية بنظام الجلسات .
4) ماتثيره ترتيبات واحكام القانون النظامي رقم 2018/013 المحدد لإجراءات اعادة تشكيل المجلس الدستوري من نواقص واشكالات خصوصا في مادته 18 التى منحت العارض إمكانية اثارة عدم دستورية القانون المطبق على القضية المعروضة امام المحكمة وفرضت على هذه الاخيرة تعليق جلساتها في القضية، مع إمهال العارض خمسة عشر يوما لإشعار المجلس الدستوري بواسطة عريضة موجهة الى كتابته واعطاء المجلس الدستوري اجل خمسة عشر يوما للبت يتم البدأ في احتساب هذا الاجل ابتداء من تاريخ تسلمه للعريضة.
والواقع ان سريان اجل بت المجلس الدستوري يبدأ من آخر يوم من اجل الاشعار الذي منحته المحكمة للعارض على اعتبار ان هذا الاخير في العادة لايودع مذكرة الاعتراض الا في اليوم الاخير من ايام الأجل.
فبالعودة الى نص المادة 18 والى ماترتب من آثار على تطبيق وممارسة احكامها من قبل بعض الأطراف ، تظهر بالحاح ضرورة تعديلها من اجل وضع حد لماتشكلهاحكامها من عوائق امام حسن سير العدالة وانسيابية العمل القضائي وسرعة اجراءاته والنأي بالمجلس الدستوري من ان يكون غرفة لتلقى طعون غير مؤسسة ولا مبررة الهدف منها عرقلة سير العدالة واطالة اجراءات الدعوى.
واذا كان الاجماع قد انعقد على اعتبار هذا النوع من الدفوع بمثابة دفع موضوعي بعدم دستورية نص تشريعي، فان المشرع الدستوري الموريتاني كان عليه على غرار غيره من التشريعات الدستورية الأخرى منح محاكم الموضوع التى تمت اثارة الدفع امامها امكانية فحصه ورفضه متى ثبت لديها عدم جديته او ان الهدف منه كان مجرد المماطلة لاغير.........
في الاخير اعتقد ان الاستراتجية المتعددة الجوانب والابعاد التى وضعها البلد لمكافحة الفساد كانت ناجعة بشكل كبير وذلك لشموليتها واستغراقها اكثر من جبهة ، ولتمكينها وتعزيز آدائها من خلال وضع الآليات الكفيلة بخلق التنسيق اللازم بينها سواء في داخل البلد اوخارجه ( الجهات التشريعية والقضائية والمالية والأمنية.....) وتطوير وتحديث مالديها من وسائل وآليات على الوجه الذي يمكن من مواجهة جرائم الفساد وملاحقة مرتكبيها .
وعلى الرغم مما قطعه البلد من اشواط في مواجهة جرائم الفساد والمفسدين تظل الترسانة القانونية وآليات الوقاية والمحاربة بحاجة دائمة الى التحيين والمراجعة.
والله اعلم

.jpeg)