من التقرير الأخير لليونيسف حول وضعية الأطفال في موريتانيا/الوزير السابق عبد العزيز الداهي

إن الثروة الحاسمة لموريتانيا لن تكون الغاز أو الحديد أو الذهب أو الهيدروجين الأخضر فحسب، بل ستكون قبل كل شيء عقول أطفالها.
نحن نتحدث، وبحق، عن السيادة الطاقوية، والتصنيع، والبنية التحتية، وجذب الاستثمارات، والتحول الرقمي. لكن هناك سؤالاً أساسياً ينبغي أن يطرح نفسه علينا جميعاً:
* من الذي سيُدير موريتانيا سنة 2040؟
* من الذي سيتولى تسيير مرافقها العمومية؟
* من الذي سيقود شركاتها ومؤسساتها؟
* من الذي سيحافظ على بنيتها التحتية؟
* من الذي سيحوّل مواردها الطبيعية إلى قيمة مضافة وفرص عمل وازدهار مشترك؟
إن التقرير الأخير لليونيسف حول وضع الأطفال والمراهقين في موريتانيا يذكّرنا بحقيقة تتطلب منا وقفة جادة: فما يزال عدد كبير من الأطفال خارج المنظومة التعليمية، كما أن الكثير من المتمدرسين لا يكتسبون بالقدر الكافي المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب والتفكير المنطقي.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الواقع على أنه إدانة لمدرستنا الوطنية، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره نداءً للتعبئة الوطنية. فخلف كل طفل لا يجيد القراءة كما ينبغي، لا يتضرر مساره الفردي فحسب، بل يتقلص أيضاً جزء من مستقبلنا الجماعي.
إن موريتانيا تدخل مرحلة حاسمة من تاريخها الاقتصادي. فالفرص المرتبطة بالغاز والمعادن والطاقة والرقمنة والزراعة والخدمات قادرة على إحداث تحول عميق ومستدام في مسارها التنموي. غير أن أي تحول اقتصادي لا يمكن أن ينجح على المدى البعيد من دون تحول تعليمي حقيقي.
قد يكتشف بلدٌ ما موارد طبيعية جديدة… لكنه مطالب ببناء رأسماله البشري.
وقد يجذب الاستثمارات… لكنه مطالب بتكوين النساء والرجال القادرين على حمل تلك الاستثمارات وتحويلها إلى نجاحات ملموسة.
وقد يشيد البنى التحتية… لكنه مطالب بإعداد الأجيال القادرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها.
لذلك فإن التعليم ليس مجرد سياسة اجتماعية، بل هو سياسة اقتصادية، وسياسة سيادية، وضمانة لمستقبل الوطن.
وينبغي أن يكون طموحنا الجماعي واضحاً وقابلاً للقياس ومحفزاً للجميع:
بحلول سنة 2030، يجب أن يكون كل طفل موريتاني قادراً على القراءة والكتابة والحساب والتفكير السليم وإتقان المهارات الرقمية الأساسية.
إن تحقيق هذا الهدف يتطلب ميثاقاً وطنياً دائماً يتجاوز الانقسامات السياسية، وتغير الحكومات، والمصالح القطاعية الضيقة.
صحيح أن الدولة تتحمل مسؤولية مركزية في هذا المجال، لكنها لن تستطيع النجاح بمفردها.
فالمدرسون، والأسر، والجماعات المحلية، والقطاع الخاص، والجالية في الخارج، ووسائل الإعلام، والعلماء والقيادات الدينية والمجتمعية، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الفنيون والماليون، جميعهم مطالبون بأن يكونوا فاعلين في هذه المعركة الوطنية.
لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: أي موريتانيا نريد أن نبني؟
بل السؤال الأهم هو: أي موريتانيين نُعِدُّ اليوم لبناء تلك الموريتانيا؟
إن مستقبل الوطن يُصنع اليوم داخل أقسامنا الدراسية.
الوزير السابق عبد العزيز الداهي

.jpeg)