الهدف موريتانيا/ بقلم: جمال طالب محام لدى هيئة المحامين بباريس، وسفير متنقل لموريتانيا، ونائب رئيس مركز التفكير حول الساحل (Crescendo).

بخصوص الحالة الموريتانية، لطالما تحدث المراقبون عن حالة من الجمود. ومع ذلك، يبدو أن الأمور آخذة في التحسن منذ بضع سنوات على عدة أصعدة، مثل الحوكمة، والاقتصاد، والأمن.
من وجهة نظري، فإن زاوية القراءة هذه ليست هي الصحيحة؛ إذ أرى بالأحرى موجة عميقة بدأت نتائجها تطفو على السطح اليوم. ويُعد تطور الدبلوماسية الموريتانية نموذجاً ممتازاً لهذا المسار الطويل.
إن الفوز برئاسة البنك الإفريقي للتنمية (BAD) يُشكل نجاحاً لا جدال فيه، ويمكن للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ووزير خارجيته، محمد سالم ولد مرزوق، أن ينسبا هذا الإنجاز لصالحهما. وهو نجاح يحفز نواكشوط اليوم للترشح لقيادة المنظمة الدولية للفرنكوفونية (OIF) ومنظمة التعاون الإسلامي (OCI). لكن هذا الإنجاز يُعد أيضاً ثمرة لنهج اتسم بالاستمرارية لدى رؤساء البلاد منذ الاستقلال، وقام على محاولات متعاقبة تهدف أولاً إلى ضمان أمن البلاد، ثم إثبات وجودها في المحافل الدولية.
لقد جسد الرئيس الأول، المختار ولد داداه، دبلوماسية ما قبل وما بعد الاستقلال اتسمت بفعالية هائلة. فقد وضع البلاد في إطار منطق "الدولة الجسر" عبر دبلوماسية أفريقية وعالم-ثالثية بالأساس، مع إعطاء مكانة بارزة للعالم العربي، ولم يخلُ ذلك من نجاح. غير أن حرب الصحراء لم تمنح طموحه الفرصة للتعبير عن نفسه كاملاً، حيث حوصر في وضعية استقرار هشة للغاية بين جارين قويين: الجزائر والمغرب.
غضب مغربي منطقي تماماً
ثم جاء زمن العسكريين، بين عامي 1978 و1984. وكما هو الحال غالباً مع رجال البدلات العسكرية، لا تكون الدبلوماسية ميزتهم الأولى، لاسيما في فترات عدم الاستقرار السياسي. وتميزت تلك السنوات، مرة أخرى، بحرب الصحراء. وكان خيار الاصطفاف إلى جانب الجزائر مبرراً في تلك اللحظة بالذات، لكنه أثار غضب المغرب بشكل منطقي تماماً. ومثل قيصر من قبلهم، عندما لم يكن يحقق انتصارات ولكنه لم يتحدث قط عن الهزائم، كان بإمكانهم القول: "acriter pugnandum est" («لقد قاتلنا ببسالة»).
أما الرئيس معاوية ولد الطايع (1984 إلى 2005)، فقد قارب الأمور بشكل مختلف؛ إذ تبنى حياداً بناءً في ملف الصحراء، مما أتاح له استئناف العلاقات مع المغرب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قناة اتصال استراتيجية مع الجزائر، وهو ما يعد إنجازاً حقيقياً في التوازن الدبلوماسي. ورغم حل النزاع مع السنغال سريعاً، فإن الخروج من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيداو) وخيار إقامة علاقات مع إسرائيل قد شوشا على فهم سياسته الخارجية.
وفي السياق ذاته، قام محمد ولد عبد العزيز (2009 إلى 2019) بتصحيح الاختيارات الخاطئة، وتبنى نهجاً أكثر هجومية، وإن كان أقل إثارة للانقسام، ومنفتحاً بوضوح على إفريقيا.

اختار الرئيس الغزواني القوة الناعمة التي تتوافق مع شخصيته."

أولوية إفريقية صريحة
أخيراً، وصل الرئيس الغزواني واختار القوة الناعمة التي تتوافق مع شخصيته. وتتبنى دبلوماسيته، التي يقودها وزير الشؤون الخارجية محمد سالم ولد مرزوق، مجدداً خيار الأولوية الإفريقية الصريحة والرابحة، وسياسة عربية متوازنة، وعلاقات مع الغرب خالية من العداء، ودون خضوع أو تبعية. وهو يدير علاقات جوار صعبة أحياناً مع مالي، ويتفاهم بشكل ممتاز مع بوركينا فاسو والنيجر، العضوين الآخرين في تحالف دول الساحل.
وفوق كل شيء، استطاع الغزواني فرض مرشحه على رأس البنك الإفريقي للتنمية، والاستثمار في العلاقات الطيبة التي طورها مع نظرائه في جميع أنحاء القارة عندما تولى رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2024.
ومن خلال تجريب حظها في المنظمة الدولية للفرنكوفونية ومنظمة التعاون الإسلامي، تُظهر نواكشوط رغبتها في مواصلة تدويل دبلوماسيتها. وهذا التوجه، بعيداً عن كونه قطيعة مع الماضي، يمثل تطوراً طبيعياً للسياسة الخارجية الموريتانية، بعد أن نجحت أولاً في تهدئة علاقاتها مع جيرانها، وقبل أن توسعها لتشمل القارة بأكملها.

بتاريخ:08/07/2026
المحامي الدولي /جمال محمد الطالب

8 July 2026