لماذا انهارت خزانات الوقود تحت تأثير الرياح؟ قراءة هندسية في الحادثة/بلال عالي أعمر لعبيد

لماذا انهارت خزانات الوقود تحت تأثير الرياح؟ قراءة هندسية في الحادثة/ بقلم: بلال عالي أعمر لعبيد
أثارت الأضرار التي لحقت بخزانات الوقود قيد الإنشاء في منطقة ميناء الصداقة بنواكشوط نقاشًا واسعًا حول مدى جودة المشروع، خاصة بعد تداول صور أظهرت انبعاجات كبيرة في الجدران المعدنية لعدد من الخزانات، إثر رياح بلغت – وفق المعطيات الرسمية – نحو 80 كيلومترًا في الساعة.
ومن واقع تكويني العلمي وخبرتي العملية في مجال إنشاء وتجهيز خزانات الوقود، أرى أن هذه الحادثة تستحق قراءة هندسية هادئة، بعيدة عن الأحكام المتسرعة أو محاولات التبرير غير المدعومة بتفسير فني واضح.
يعتقد كثيرون أن خزانات الوقود عبارة عن كتل حديدية ضخمة يصعب أن تتأثر بالرياح، لكن الحقيقة الهندسية تختلف عن هذا التصور. فخزانات التخزين الكبيرة لا تُصنع من الحديد العادي، وإنما من الفولاذ الكربوني عالي المقاومة (Carbon Steel)، وهو المادة الأكثر استخدامًا عالميًا في صناعة خزانات النفط والمحروقات، لما يتميز به من قدرة على تحمل الإجهادات الميكانيكية، وسهولة عمليات اللحام، وملاءمته الاقتصادية. كما تُغطى هذه الخزانات بطبقات حماية داخلية وخارجية مقاومة للتآكل والصدأ، بما يضمن لها عمرًا تشغيليًا طويلًا في مختلف الظروف المناخية.
غير أن قوة الخزان لا تعتمد على نوع الفولاذ وحده، بل على منظومة هندسية متكاملة تشمل سماكة الصفائح المعدنية، والحلقات المقوية (Stiffening Rings)، وجودة اللحامات، ودقة التجميع، وطريقة تثبيت الخزان على الأساسات، إضافة إلى السقف الذي يمثل عنصرًا إنشائيًا مهمًا في زيادة صلابة الهيكل بعد اكتمال تركيبه. 
كما أن تصميم هذه الخزانات يخضع لمعايير هندسية دولية دقيقة، أبرزها معيار API 650، الذي يحدد متطلبات التصميم والتصنيع والتركيب والاختبارات النهائية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تكفي رياح بسرعة 80 كيلومترًا في الساعة لإحداث هذا الضرر؟
الإجابة ليست مطلقة. فإذا كانت الخزانات ما تزال في مرحلة الإنشاء ولم تُستكمل عناصر التدعيم أو التثبيت المؤقت، فمن الممكن هندسيًا أن تتعرض الصفائح المعدنية لما يُعرف بظاهرة الانبعاج  نتيجة تأثير الأحمال الجانبية التي تولدها الرياح. أما إذا كانت الخزانات قد بلغت مرحلة يُفترض معها تحمل الأحمال التصميمية، فإن حجم التشوهات الظاهرة في الصور يطرح أسئلة فنية مشروعة تستحق إجابات واضحة.
ومن المعروف في هندسة المنشآت المعدنية أن الخزانات النفطية المصممة وفق المعايير الدولية تُحسب لتحمل سرعات رياح تفوق بكثير السرعة المعلن عنها، مع مراعاة الموقع الجغرافي والظروف المناخية لكل مشروع. كما تُتخذ أثناء مرحلة الإنشاء إجراءات مؤقتة لتثبيت الصفائح والجدران إلى حين اكتمال تركيب السقف والحلقات المقوية، لأن هذه المرحلة تُعد الأكثر حساسية من الناحية الإنشائية.
وتُظهر الصور المتداولة انبعاجات كبيرة في جدران ثلاثة خزانات، بينما تبدو خزانات أخرى مجاورة أقل تأثرًا أو سليمة. 
وقد يشير ذلك إلى أن الخزانات لم تكن جميعها في المرحلة نفسها من الإنجاز، أو أن مستوى التدعيم المؤقت اختلف من خزان إلى آخر، أو أن اتجاه الرياح أدى إلى تفاوت الأحمال الواقعة عليها.
ومع ذلك، فإن اتساع مساحة الانبعاجات وشكلها يبرران المطالبة بإجراء تقييم هندسي دقيق، لمعرفة ما إذا كان السبب مرتبطًا بمرحلة التنفيذ، أو بطريقة التدعيم، أو بسماكة الصفائح، أو بجودة اللحامات، أو بأي عامل آخر.
ولا يمكن الجزم، اعتمادًا على الصور وحدها، بأن المشكلة تكمن في نوع الفولاذ المستخدم، لأن أي خلل في منظومة التصميم أو التنفيذ قد يؤدي إلى النتيجة نفسها، حتى مع استخدام مواد مطابقة للمواصفات. ولهذا فإن الصور لا تكفي للحكم على جودة المشروع، لكنها تبرر طرح الأسئلة الفنية والمطالبة بتحقيق هندسي مستقل.
وفي المشاريع الاستراتيجية من هذا الحجم، لا يكفي الإعلان عن إصلاح الأضرار، بل ينبغي نشر تقرير فني يوضح للرأي العام المرحلة التي وصلت إليها الخزانات وقت وقوع الحادث، وسرعة الرياح التصميمية المعتمدة، ومدى مطابقة المشروع لمعيار API 650 أو غيره من المعايير المعتمدة، ونوع الفولاذ المستخدم وسماكة الصفائح، ونتائج فحص اللحامات والحلقات المقوية، ومدى الالتزام بإجراءات التدعيم المؤقت أثناء مرحلة الإنشاء، إضافة إلى الأسباب الفنية المباشرة للانبعاج والإجراءات التصحيحية التي ستُتخذ قبل استكمال المشروع.
إن هذا المقال لا يهدف إلى إدانة جهة أو تبرئة أخرى، بل إلى التأكيد على أن المشاريع الاستراتيجية، ولا سيما تلك المتعلقة بتخزين المحروقات، يجب أن تُدار بأعلى درجات الشفافية والالتزام بالمعايير الهندسية، لأن سلامتها ترتبط بالأمن الطاقوي وسلامة الأرواح والممتلكات.
فإذا أثبت التحقيق أن الأضرار كانت نتيجة طبيعية لمرحلة الإنشاء مع الالتزام بجميع الاحتياطات الهندسية، فذلك سيطمئن الرأي العام ويعزز الثقة في المشروع. أما إذا كشف عن قصور في التصميم أو التنفيذ أو الرقابة، فإن معالجته في هذه المرحلة ستكون أقل كلفة وأكثر أمانًا من اكتشافه بعد دخول الخزانات الخدمة.
وفي جميع الأحوال، تبقى الشفافية الفنية ونشر نتائج التحقيق المستقل أفضل وسيلة للحفاظ على المال العام، وتعزيز ثقة المواطنين، وضمان أن منشآت ستخزن ملايين اللترات من الوقود قد أُنشئت وفق أعلى معايير السلامة والجودة.
بلال عالي أعمر لعبيد
 

22 July 2026