مابين الخرجتين من المسؤول عن تراجع أمل الشباب ؟

عندما أعلن فخامة رئيس الجمهورية ترشحه لأول مرة للانتخابات الرئاسية في الأول من مارس 2019، بدا المشهد السياسي الموريتاني وكأنه يدخل مرحلة جديدة، فقد حمل خطاب 1 مارس آنذاك مضامين إصلاحية جذبت شريحة واسعة من الشباب، الذين رأوا فيه فرصة لإحداث تحول حقيقي في طريقة إدارة الدولة، وإعادة الاعتبار للكفاءة، وإشراك الطاقات الشابة في صناعة القرار.

لم يكن ذلك التفاعل مجرد تأييد انتخابي عابر، بل تحول إلى حالة سياسية غير مسبوقة، حيث تشكلت مئات المبادرات الشبابية الداعمة للمرشح، وانخرط آلاف الشباب في العمل الميداني والإعلامي، مدافعين عن مشروع سياسي آمنوا أنه سيؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة بين الدولة وجيلها الصاعد، كما خاض هؤلاء الشباب مواجهة سياسية وإعلامية مع المعارضة الراديكالية التي كانت تمتلك آنذاك حضورا مؤثرا في الشارع، إضافة إلى التصدي للوبيات داخل المعسكر الموالي كانت تعمل، بصمت، على إضعاف فرص نجاح المشروع، قبل أن تظهر بعض ملامح ذلك الصراع في الساعات الأخيرة التي سبقت الاقتراع.

لكن ما إن استقرت السلطة حتى بدأت تتسع الفجوة بين التطلعات والواقع، فبدلا من البناء على ذلك الزخم الشبابي، تم إبعاد الشخصيات التي كانت تدير هذا الملف، وتراجع حضور الشباب الذين قدموا الجهد الأكبر في مرحلة التأسيس، ومع مرور الوقت بدا أن مراكز النفوذ التقليدية استعادت زمام المبادرة، فعادت الحسابات الضيقة، والمحاصصات الاجتماعية، والاعتبارات الأسرية لتفرض نفسها على حساب معايير الكفاءة والاستحقاق.

ولعل أكثر ما أصاب الشباب بالإحباط هو شعورهم بأن مساهمتهم في صناعة النجاح لم تتحول إلى شراكة حقيقية في صناعة القرار،  فالمشكلة لم تكن في المطالبة بالمناصب، وإنما في غياب مسار واضح يتيح للكفاءات الشابة أن تتدرج في المسؤولية، وأن تجد مكانها الطبيعي داخل مؤسسات الدولة والأغلبية السياسية.

ومع إعلان الترشح للمأمورية الثانية، ظهرت مؤشرات تستحق التوقف عندها، فعلى الرغم من إطلاق وصف "مأمورية الشباب" على المرحلة الجديدة، بالإضافة للجهود الكبيرة التي بُذلت في المجال الاجتماعي، فإن التفاعل الشعبي، وخاصة داخل النخب الشبابية الموالية، لم يكن بنفس الحماس الذي ميز انتخابات 2019، كما أن ضعف المنافسة الانتخابية مقارنة بالاستحقاق الأول كان يفترض أن يضاعف الحضور السياسي للقاعدة الداعمة، غير أن ذلك لم يحدث بالقدر المتوقع، وهو ما يعكس تراجع مستوى الأمل أكثر مما يعكس تراجع مستوى الولاء.

إن المتابع للتفاعل مع الخرجة الإعلامية الأخيرة يلاحظ بوضوح حجم الإحباط الذي يعيشه كثير من الشباب المؤمنين بخيار الإصلاح من داخل الأغلبية، فهذه الفئة لا تطالب بامتيازات استثنائية، وإنما تبحث عن بيئة سياسية عادلة، تضمن تكافؤ الفرص، وتحمي العمل السياسي الجاد من هيمنة شبكات النفوذ التقليدية التي ما تزال تتحكم في كثير من مفاصل المشهد.

وقد أدى ذلك إلى مفارقة لافتة؛ إذ أصبح المشهد السياسي يبدو في كثير من الأحيان وكأنه مواجهة بين جيلين: شباب يسعى إلى تجديد الحياة السياسية والمشاركة في بناء المستقبل داخل تشكيلات معارضة، في مقابل طبقة سياسية رسخت حضورها عبر عقود، وما تزال تمتلك أدوات التأثير وصناعة القرار في واجهة الأغلبية.

ومن المؤسف حقا أن يشعر كثير من الشباب اليوم بأن الطريق إلى المسؤولية لا يمر عبر الكفاءة، ولا عبر العمل السياسي الميداني، وإنما عبر اعتبارات أخرى، كالتوريث السياسي، أو الانتماء إلى شبكات النفوذ، أو تبني خطابات فئوية وشرائحية، أو الارتباط بحلف سياسي محدد، ومتى ترسخ هذا الانطباع، فإن الخسارة لا تصيب الشباب وحدهم، بل تصيب الدولة نفسها، لأنها تخسر ثقة أهم فئة يفترض أن تقود مستقبلها.

إن المحافظة على الأمل الذي ولد في مارس 2019 تحتاج لإجراءات عملية تعيد الاعتبار للكفاءة، وتفتح المجال أمام القيادات الشابة، وتجعل الشراكة السياسية واقعا ملموسا لا مجرد عنوان، فالدول لا تتجدد إلا حين تمنح الفرصة لمن يملك القدرة على العطاء، بعيدا عن كل أشكال الاحتكار السياسي والاجتماعي.

وفي الختام يبقى السؤال مطروحا: إذا كان الشباب هم الوقود الحقيقي الذي حمل مشروع التغيير في بدايته 2019، فمن المسؤول عن تراجع ذلك الأمل بعد سنوات؟ إن إثارة هذا السؤال ليست بحثا عن إدانة أحد، بقدر ما هي محاولة لتصحيح المسار، حتى تستعيد الثقة مكانها الطبيعي داخل مؤسسات الدولة والأغلبية السياسية. 

أحمدو ولد محمد فال ولد أبيه 
ناشط سياسي/ مستشار جهوي بولاية الحوض الغربي

29 July 2026