رسالة من النائب بيرام ولد الداه ولد اعبيد رئيس قطبي المعارضة المنافحة و التناوب2029

 

دخلنا مرحلة الخطر الداهم، و الانقلاب ليس حلاً

منذ أيام، تتعالى على شبكات التواصل الاجتماعي أصوات متزايدة، من مدونين ونشطاء ومواطنين عاديين مستائين، تدعو إلى انقلاب عسكري في موريتانيا. وأنا أتفهم هذا الغضب. فبلادنا تمر بالفعل بأزمة متعددة الأوجه. فالفقر لا يزال قائماً. والبطالة في صفوف الشباب بلغت مستويات مقلقة. وجيل كامل يشعر بأن الأفق مسدود أمامه، وأن بلداً لا يوفر له لا العمل ولا الفرص ولا المستقبل. ويضاف إلى ذلك الفساد البنيوي، والعجز المزمن للدولة، والانتهاكات الخطيرة للحريات العامة، ونظام يتراكم عليه سوء السمعة من دون أن يقدم أبداً إجابة ذات مصداقية على تطلعات الشعب. كما أن الثقة في المسارات الديمقراطية تتآكل، مع إغلاق المجال أمام التنافس السياسي للوصول إلى السلطة، ولا بد من القول أيضاً إن المعارضة التي فتح لها النظام مجال الشرعية لم تكن دائماً قادرة على الاستجابة لمستوى هذا الغضب.
وكأن ذلك لا يكفي، تضاف إلى الأزمة مفارقة لا تطاق. فالسلطة تقول إنها تريد الحوار، وبناء التوافق، وإرساء الثقة مع القوى السياسية في البلاد. لكنها، في الوقت نفسه، تتسامح، بل وتؤيد حتى، أن يتحدث وزراء ومسؤولون علناً عن فكرة ولاية ثالثة، في انتهاك واضح لروح دستورنا لأن تحصين المأموريات وضعه المشرع في مصاف الحورة الترابية و النظام الجمهوري. فكيف يمكن بناء الثقة حول حوار سياسي، بينما يعمل الماسكون بالسلطة، في الوقت نفسه، على تقويض المكتسبات الدستورية التي يفترض أن يعززها هذا الحوار تحديداً؟
في هذا السياق تحديداً، تولد الدعوات إلى الانقلاب. وأنا أتفق إلى حد كبير مع تشخيص أصحاب هذه الدعوات، لكنني لا أتفق مع استنتاجهم. الانقلاب ليس حلاً. إنه طريق مسدود وخطير.
يمكن للانقلاب أن يغير الحكام بسرعة، لكنه لا يضمن لا الديمقراطية، ولا الحكم الرشيد، ولا مكافحة الفساد، ولا سيادة القانون، ولا التنمية، ولا العدالة الاجتماعية، ولا إدارة أفضل للموارد العامة. وقد يكتفي باستبدال نخبة بأخرى، من دون المساس بالآليات الحقيقية للنظام. إن الرغبة في رحيل سلطة نراها سيئة لا تكفي. فمن سيحكم بعد ذلك؟ وبأي مؤسسات؟ وبأي ضمانات؟ وبأي رؤية للتنمية؟ وبأي سياسة اقتصادية؟ لا شيء يسمح بافتراض أن مجلساً عسكرياً أو نخبة جديدة منبثقة عن القوة ستكون أكثر نزاهة من النخبة الموجودة اليوم. وليس قول ذلك دفاعاً عن النظام الحالي، وإنما هو ببساطة رفض لاستبدال مشكلة بمشكلة أكثر خطورة.
لقد دفعت موريتانيا ثمناً باهظاً للانقلابات العسكرية. فقد قُدِّم كل انقلاب على أنه تصحيح ضروري، ووعدٌ بالإصلاح والتقويم. وفي كل مرة، كان الاستنتاج واحداً: تتغير الوجوه، ولا يتغير النظام. تطرد نخبةٌ نخبةً أخرى، لكن آليات المحسوبية والنهب المنهجي للموارد العامة تظل قائمة من دون مساس، بل إنها تتفاقم أحياناً.
وقد عرفنا، منذ وقت ليس ببعيد، قطيعةً مفاجئة مع تجربتنا الديمقراطية، من خلال الانقلاب على سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، أول رئيس منتخب ديمقراطياً، وهو انقلاب يتحمل النظام الحالي والنظام الذي سبقه المسؤولية الكاملة عنه. وقد فتح ذلك الطريق أمام واحدة من أكثر الفترات ظلمة في تاريخنا الحديث: انحرافات استبدادية، وتأجيج للتوترات المجتمعية، وتهميش للمعارضة، ونهب لموارد البلاد في ظل إفلات تام من العقاب.
والآلية دائماً هي نفسها: سوء الحكم، والإحباط، والدعوة إلى الانقلاب، والاستيلاء على السلطة، والوعد بالقطيعة، ثم ممارسات جديدة للنهب أو الاستبداد، فالخيبة، ثم أزمة جديدة، ثم دعوة جديدة إلى الانقلاب. إنها دورة سيزيفية. نصعد المنحدر ونحن نؤمن بالتغيير، ثم نسقط مجدداً إلى نقطة البداية لنبدأ كل شيء من جديد. وإذا اتبعنا هذه الحتمية اليوم، فإننا نخاطر بأن نجد أنفسنا بعد عشر سنوات في النقطة نفسها تماماً، أمام وجوه جديدة تمارس الأساليب ذاتها. والتحدي الحقيقي هو الخروج، مرة واحدة وإلى الأبد، من هذه الحلقة، لا إعادة إنتاجها مع فاعلين جدد. لا سيما أن قاعدةً تبدو، للأسف، وكأنها تتأكد: كل نظام أسوأ من النظام الذي سبقه.
وعادةً ما تكون هناك شرارة أو ذريعة أو أزمة تتيح للعسكريين تقديم أنفسهم باعتبارهم حكماً في الوضع القائم. وقد تأتي هذه الشرارة من الانتخابات الرئاسية المقبلة، ليس لأنني أتنبأ بذلك، وإنما لأن هذا الخطر يجب أن يؤخذ على محمل الجد وأن تتم الوقاية منه. فإذا ما جرى الطعن في هذه الانتخابات على نطاق واسع، وإذا اعتُبرت نتائجها مزورة، ولا سيما في حال إعلان فوز مرشح السلطة من الجولة الأولى، وإذا أفضت هذه الاعتراضات إلى أزمة سياسية كبرى، فقد يغري ذلك البعض بتقديم أنفسهم باعتبارهم حكماً في هذه الأزمة، بذريعة إعادة النظام. وقد يكون الرأي العام المحبط، الذي نفد صبره، ميالاً إلى دعمهم أو إلى عدم معارضتهم. ويزداد هذا الخطر واقعيةً بالنظر إلى أن عدة بلدان في المنطقة شهدت انقلابات خلال السنوات الأخيرة، وأن ضعف ردود الفعل الدولية نسبياً إزاء هذه الانقلابات ربما أقنع بعض الانقلابيين الطامحين بأن الكلفة السياسية للانقلاب أصبحت أقل مما كانت عليه.
وهذا هو السيناريو الذي يجب منعه تحديداً، لا من خلال الأمل في ألا يحدث، وإنما من خلال التحرك، ابتداءً من الآن، حتى لا يحدث أبداً. وأفضل طريقة لمنع الانقلاب ليست التمني بوقوعه ضد سلطة نرفضها. وإنما بناء الظروف السياسية التي تجعل ذريعته مستحيلة، من خلال انتخابات شفافة، ومعارضة منظمة، وتعبئة مواطنية مصممة على الدفاع عن كل صوت وكل ورقة اقتراع.
وعلاوة على ذلك، فليس هذا الوقت مناسباً إطلاقاً لإضافة أزمة مؤسساتية إلى صعوباتنا، في بيئة أمنية إقليمية آخذة في التدهور، لا سيما أن بلادنا لا تزال قريبة من بؤر عدم الاستقرار والصراع. وفي هذا السياق، تحتاج موريتانيا إلى الاستقرار المؤسساتي، لا إلى قطيعة سياسية جديدة.
إن للجيش الموريتاني مهمة أساسية تتمثل في الدفاع عن أراضينا وحدودنا وسيادتنا. وليس من مهمته أن يفصل في منافساتنا السياسية الداخلية، ولا أن يحل محل التعبير الشعبي عبر صناديق الاقتراع. وكل طاقة يكرسها جيشنا لإدارة مرحلة انتقالية سياسية هي طاقة تُنتزع من مهمته الأساسية، في الوقت الذي تحتاج فيه منطقتنا إليها أكثر من أي وقت مضى. وعلينا أن نستعيد رشدنا وأن نتصرف كرجال ونساء دولة، قادرين على مواجهة التحديات الحقيقية المحيطة بنا.
إن هذا النظام فاقد للشعبية فعلاً، وهناك إمكانية حقيقية للتداول السلمي على السلطة عبر صناديق الاقتراع. لكن هذه الإمكانية لا تتحقق من تلقاء نفسها. أمامنا استراتيجيتان. الأولى هي استراتيجية اليأس، التي تقوم على الانتظار والأمل والتمني بأن يأتي انقلاب عسكري ليحل، نيابةً عنا، ما عجزنا عن حله بأنفسنا. والثانية هي استراتيجية التداول السلمي على السلطة، من خلال توسيع الوعي، والاستعداد للانتخابات، من أجل الوصول إلى السلطة ديمقراطياً. وأنا أختار بشكل حازم الاستراتيجية الثانية، وأدعو جميع قوى المعارضة إلى الانضمام إليها.
عندما ندعو الجيش إلى إسقاط السلطة، فإننا نخاطر بالتخلي بأنفسنا عن قدرتنا على الوصول إلى السلطة عبر الشعب. ومسؤوليتنا هي تعبئة المواطنين، وتعزيز وحدتنا، والاستعداد الجاد للاستحقاقات الانتخابية، والحضور في كل مكتب اقتراع، وتدريب ممثلينا، ومراقبة العمليات الانتخابية، وتوثيق عمليات التزوير، عند الاقتضاء، والدفاع عن كل صوت، وبناء بديل ذي مصداقية بصبر وأناة. إنه عمل شاق، لأن الطريق الديمقراطي أطول وأكثر صعوبة من الانقلاب. فهو يتطلب الشجاعة والتنظيم والصبر والتزاماً مواطنياً حقيقياً. لكنه الطريق الوحيد القادر على إحداث تحول مستدام، وليس مجرد تغيير للوجوه في قمة الدولة.
وأدعو أحزاب المعارضة التي تشارك في الحوار مع السلطة إلى ألا تكتفي بالكلمات الطيبة. فلا يمكن أن يكون الحوار ذا مصداقية ما دامت الحقوق تداس بفظاعة غير مسبوقة و لا يمكن أن يطمئن له ذو عقل إلا إذا أفضى إلى ضمانات ملموسة بشأن قواعد اللعبة السياسية، وفي مقدمتها الاحترام المطلق لمبدأ تحديد عدد المأموريات الرئاسية. ومن دون ذلك، لا يعدو الحوار أن يكون مجرد مسرحية، والجميع يعرف ذلك.
حتى الديمقراطية غير المكتملة تظل أفضل من سلطة ولدت من انقلاب عسكري. وهذا لا يعني أننا يجب أن نقبل بانتخابات مزورة، لأن التزوير واسع النطاق سيكون أمراً غير مقبول، ويجب التصدي له بكل حزم، ولكن بوسائل ديمقراطية، ولا سيما من خلال التعبئة، والاحتجاج السلمي، والضغط الشعبي، واللجوء إلى المؤسسات. إن رفض الانقلاب لا يعني قبول الوضع القائم. بل إننا، تحديداً لأننا نريد تغيير النظام بعمق، يجب أن نتجنب حلاً قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الآليات نفسها تحت قيادة حكام آخرين.
إلى الذين يدعون اليوم إلى انقلاب عسكري بدافع اليأس، أريد أن أقول لهم إننا، على الأرجح، نريد التغيير نفسه. فنحن نتشارك إلى حد كبير التشخيص نفسه، والغضب نفسه إزاء الإخفاقات نفسها. فلا ننقسم حول التشخيص. ولكن لا نختار علاجاً قد يؤدي إلى تفاقم المرض.
أنا لا أطلب منكم الانتظار، ولا أن تثقوا ثقة عمياء في السلطة، ولا أن تتخلوا عن نضالنا. إنما أطلب منكم أن نحول غضبنا إلى قوة سياسية، وإحباطنا إلى تعبئة، وإرادتنا في التغيير إلى مشروع للتداول السلمي على السلطة.
لا نتجه نحو الثكنات. لنتجه نحو الشعب. لننظم المعارضة. لنعبئ المواطنين. لنستعد للتداول السلمي على السلطة. لندافع عن كل انتخابات. لنمنع التزوير. لنحمِ التصويت. لنبنِ معاً قوة ديمقراطية تكون قوية بما يكفي حتى لا يعتمد التغيير في هذا البلد مرة أخرى على تدخل عسكري، ومصممة بما يكفي لكي يتحقق هذا التغيير أخيراً، بالشعب ومن أجل الشعب.
هذا هو النضال الذي أقترح أن نخوضه معاً، جميعاً.

بيرام ولد الداه ولد أعبيد 
نواكشوط، 20 أغسطس 2026

21 August 2026