تحذيرات أممية من إعادة تموضع «داعش» و«القاعدة» في ليبيا

كشفت تقديرات أممية حديثة عن استمرار نشاط تنظيمي «داعش» و»القاعدة» في ليبيا، رغم تراجع قدرتهما على تنفيذ عمليات واسعة، وسط مخاوف من تحول الجنوب الليبي إلى نقطة عبور ودعم لوجستي تربط شمال إفريقيا بمنطقة الساحل، بالتزامن مع رصد عمليات تجنيد عبر الإنترنت ومحاولات لتهريب عناصر مرتبطة بالتنظيم من سوريا إلى الأراضي الليبية.
وتعيد المعطيات الواردة في رسالة وجهت إلى رئيسة مجلس الأمن الدولي خلال أغسطس/ آب الجاري ملف الجماعات المتطرفة إلى واجهة المشهد الأمني الليبي، بعدما تراجع حضوره خلال السنوات الأخيرة أمام الصراع السياسي والعسكري بين السلطات المتنافسة، لكنها تكشف في المقابل أن التنظيمات لم تختف تماماً، بل غيرت أساليبها واتجهت إلى العمل عبر خلايا محدودة وشبكات تهريب وتجنيد يصعب تعقبها.
وحسب التقديرات الأممية، يحتفظ تنظيم «داعش» بنحو 100 مقاتل داخل خلايا صغيرة تتمركز بصورة أساسية في جنوب ليبيا، إلى جانب مئات المتعاطفين، فيما أصبح النشاط الدعائي والتجنيد عبر الإنترنت جزءاً أساسياً من محاولاته للحفاظ على وجوده بعد خسارته مناطق السيطرة التي كان يحتفظ بها في البلاد قبل سنوات.
واللافت في التقرير الأممي كشفه عن تفكيك جهاز المخابرات الليبي عدداً من الشبكات المرتبطة بالتنظيم، واعتقال أكثر من 15 مشتبهاً بهم، بينهم أشخاص يشتبه في توليهم شراء الأسلحة وتقديم الدعم اللوجستي.
كما جرى تعطيل عدة شبكات للتجنيد، من بينها خلية قالت الأمم المتحدة إنها استقطبت فتيات بهدف تنفيذ هجمات تستهدف مؤسسات تعليمية، وهو تطور يعكس انتقال التنظيم إلى دوائر تجنيد وأساليب مختلفة عن نمط الاستقطاب التقليدي للمقاتلين.
وتزيد المخاوف مع كشف السلطات عن نساء وأطفال جرى تهريبهم من سوريا باستخدام جوازات سفر مزورة قبل توقيفهم داخل ليبيا، في مؤشر على استمرار استخدام البلاد كإحدى محطات انتقال أفراد مرتبطين بالتنظيمات المتطرفة بين المشرق العربي وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
ويأتي ذلك في بلد لا تزال حدوده الجنوبية الشاسعة واحدة من أبرز نقاط الضعف الأمنية، خصوصاً مع تشعب مسارات التهريب الممتدة إلى النيجر وتشاد والسودان، ووجود جماعات مسلحة وشبكات للاتجار بالبشر والأسلحة تعمل عبر مناطق صحراوية يصعب إخضاعها لسيطرة أمنية مستمرة.
ورغم حملات أمنية وعسكرية نفذتها أطراف ليبية مختلفة خلال السنوات الماضية ضد خلايا تنظيم «داعش»، فإن استمرار الانقسام بين شرق البلاد وغربها وغياب مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة يظلان من أبرز التحديات أمام بناء استراتيجية متكاملة لضبط الحدود وملاحقة الشبكات العابرة للمناطق.
وفي موازاة نشاط «داعش»، رصدت الأمم المتحدة استمرار وجود تنظيم «القاعدة» في جنوب غرب ليبيا، مستفيداً من علاقات وشبكات محلية لتأمين الدعم اللوجستي للجماعات المرتبطة به في منطقة الساحل.
ولا يبدو أن ليبيا تمثل حالياً مركز العمليات الرئيسي لـ»القاعدة» في شمال إفريقيا، لكنها تكتسب أهمية جغرافية للتنظيم باعتبارها ممراً للأسلحة والأفراد والإمدادات نحو مناطق الصراع جنوباً، حيث يتزايد نفوذ الجماعات المتطرفة بصورة أكبر بكثير مقارنة بشمال القارة.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، رغم تراجع قوته، لا يزال يحتفظ بما يتراوح بين 200 و300 مقاتل موزعين في المنطقة، فيما تنقل زعيمه أبو عبيدة يوسف العنابي بين شمال مالي وشمال بوركينا فاسو، وحافظ على التنسيق مع قيادات جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».
وتضع هذه المعطيات ليبيا على تماس مباشر مع واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً من الناحية الأمنية، بعدما تحولت منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة إلى مركز رئيسي لنشاط الجماعات المرتبطة بتنظيمي «داعش» و»القاعدة».
وتقدر الأمم المتحدة عدد عناصر جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» بما يتراوح بين سبعة وثمانية آلاف عنصر، يتمركز نحو نصفهم في مالي، حيث وسعت الجماعة عملياتها خلال العام الجاري ونجحت في زيادة الضغط على القوات الحكومية وامتداد نشاطها من شمال البلاد ووسطها إلى مناطق أقرب إلى العاصمة باماكو.
وفي النيجر، التي ترتبط بحدود مباشرة مع ليبيا، أصبح تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى» أكثر نشاطاً، إذ نسب إليه نحو 75 في المئة من الهجمات التي أعلن التنظيم مسؤوليته عنها خلال العام الجاري.
وأظهر الهجوم على مطار نيامي الدولي في 29 يناير/ كانون الثاني الماضي قدرة الجماعة على الانتقال من استهداف المناطق الهامشية إلى تنفيذ عمليات معقدة بالقرب من المراكز الحضرية والمنشآت الحيوية، بعدما استخدم عشرات المهاجمين دراجات نارية وشاحنات صغيرة وطائرات استطلاع مسيرة وأسلحة وقذائف هاون.
ويضيف التطور السريع في استخدام الطائرات المسيرة بعداً جديداً إلى المخاطر المحيطة بالحدود الليبية، إذ تشير المعطيات الأممية إلى امتلاك الجماعات المسلحة في الساحل قدرات متزايدة في هذا المجال، سواء عبر تعديل طائرات تجارية أو استخدام أنظمة جرى الاستيلاء عليها من القوات الحكومية.
ورغم أن نشاط تنظيمي «داعش» و»القاعدة» داخل ليبيا يوصف أممياً بأنه محدود مقارنة بذروة تمددهما خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي، فإن التطورات الإقليمية تجعل من هذا الوجود مصدر قلق متجدداً.
فالمخاطر الحالية لا ترتبط فقط بقدرة التنظيمات على السيطرة على المدن أو الأراضي، وإنما بإمكانية استغلالها شبكات التهريب والانقسامات الأمنية والحدود المفتوحة، وتحويل ليبيا إلى عقدة انتقال وتمويل وتجميع بين سوريا وشمال إفريقيا والساحل.
ويعني ذلك أن التهديد الذي تواجهه ليبيا أصبح أكثر تشابكاً مع البيئة الإقليمية المحيطة بها، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني من تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري واستمرار الصراع على السلطة، وهو واقع يمنح الشبكات المسلحة والمهربين هامشاً يسمح لهم بالحركة في المناطق التي تقل فيها سلطة الدولة، وعلى رأسها الجنوب والحدود الصحراوية الممتدة لمئات الكيلومترات.

القدس العربي

28 August 2026