السيادة الغذائية في موريتانيا...من الإنتاج الى اقتصاد القيمة/المهندس مولاي رشيد أحمد الهادي

هل تكفي موريتانيا لأن تنتج غذاءها، أم أن المطلوب أن تبني حول هذا الإنتاج اقتصادًا كاملًا؟

خلال زيارته الأخيرة لولاية آدرار، وفي سياق جولاته بولايات الداخل، طرح رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مفهومًا يتجاوز الزراعة نفسها، حين ربط" السيادة الحقيقية " بقدرة البلد على إنتاج حاجاته الأساسية، معتبرًا أن الأزمات التي شهدها العالم أثبتت أن البلد الذي لا يستطيع تأمين غذائه يبقى أكثر عرضة للمخاطر.
وفي بعض المناطق ، رُبط هذا الهدف بالماء، وفك العزلة عن مناطق الإنتاج، وتحسين النقل والتسويق، وتشجيع الاستثمار، مؤكدًا أهمية الشراكة مع القطاع الخاص الوطني وتهيئة الظروف التي تساعده على الاستثمار والإنتاج.
هذه الفكرة تستحق أن نذهب بها خطوة أبعد.
السيادة الغذائية لا تبدأ وتنتهي عند إنتاج المحصول.
فالزراعة تحتاج إلى ماء وتقنيات وتمويل، لكنها تحتاج أيضًا إلى تخزين وتبريد ونقل وتحويل وتغليف وتسويق. وكل حلقة ضعيفة تعني جزءًا من القيمة التي يمكن أن تبقى داخل البلد.
لهذا، لا يكفي أن نزرع أكثر.
نحتاج أن نربح أكثر من كل ما نزرعه.
التمر ليس مجرد محصول؛ يمكن أن يصبح صناعة.
والخضروات ليست مجرد إنتاج موسمي؛ يمكن أن تنشئ حولها خدمات للنقل والتبريد والتخزين والتسويق.
والواحة ليست أرضًا للزراعة فقط؛ يمكن أن تصبح مركزًا لنشاط اقتصادي يستفيد منه سكان المنطقة وشبابها.
وهنا تدخل التكنولوجيا في مكانها الطبيعي.
إدارة المياه، متابعة المحاصيل، تنظيم المخزون، تتبع المنتجات، تحسين النقل والوصول إلى الأسواق؛ كلها مجالات تستطيع التكنولوجيا أن تجعلها أكثر كفاءة، وتقلل الهدر، وترفع العائد.
والشباب كذلك لا ينبغي أن تكون علاقتهم بالاقتصاد انتظار وظيفة.
المزرعة تحتاج مهندسًا وتقنيًا.
وسلسلة التبريد تحتاج متخصصين.
والتسويق يحتاج أدوات رقمية.
والمشروع الزراعي يحتاج إدارة وتمويلًا وخبرة.
الشاب يمكن أن يكون جزءًا من عملية الإنتاج نفسها، لا مجرد باحث عن مكان فيها.
والقطاع الخاص أمامه مجال واسع للاستثمار في التخزين، والتحويل الغذائي، والخدمات الزراعية، والنقل، والتكنولوجيا، وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تحول الإمكانات المحلية إلى مشاريع حقيقية.
أما الدولة، فدورها أن تفتح الطريق أمام هذه الحركة: الماء، والطرق، والبنية الأساسية، ووضوح القواعد، وتسهيل الاستثمار، وحماية بيئة الإنتاج.
عندها تتكامل الأدوار:
الدولة تهيئ، والقطاع الخاص يستثمر، والمزارع ينتج، والكفاءات تطور، والشباب يبتكر، والمجتمع المحلي يشارك ويستفيد.
وهنا ننتقل من سؤال:
كم أنتجنا؟
إلى السؤال الأهم:
كم قيمة خلقنا من إنتاجنا؟
فالمستقبل لا يصنعه امتلاك الموارد وحده، وإنما القدرة على تحويل الموارد إلى معرفة، والمعرفة إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة، والقيمة إلى فرص.
وموريتانيا تملك موارد وإمكانات وكفاءات يمكن البناء عليها.
والتحدي هو أن نجمعها في اتجاه واحد، وأن نجعل التنمية تصل إلى حيث توجد الموارد، والفرص إلى حيث يوجد الشباب، والاستثمار إلى حيث توجد الإمكانات.
أن ننتج أكثر، ونهدر أقل، ونضيف قيمة أكبر، ونخلق فرصًا في الداخل.
عندها تصبح السيادة الغذائية أكثر من هدف لتوفير الغذاء؛ تصبح بداية لاقتصاد موريتاني أكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على الصمود، وأكثر استفادة من موارده وكفاءاته.
من اقتصاد الإمكانات إلى اقتصاد القيمة... تلك هي الخطوة التي تستحق أن نبني عليها موريتانيا.

_________________________
بقلم: المهندس مولاي رشيد ولد أحمد الهادي

مهندس اتصالات سلكية ولاسلكية متقدمة ورائد أعمال وفاعل في المجتمع المدني

26 September 2026