الطريق الى أنطاليا/مؤتمر الأطراف COP31/سيد المختار كواد

 

أصبحت مفاوضات المنـاخ الدولية إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمهـا الدول للدفاع عن مصالحها الوطنية، وحشد التمويل والتكنولوجيـا وبناء القدرات اللازمة لمواجهة تغير المناخ. وتكتسب هذه المفاوضـات أهمية خاصة بالنسبة إلى موريتانيا، بالنظر إلى تعرضها لمخاطر الجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى هشاشة المناطق الساحلية واعتماد قطاعات مهمة من الاقتصاد وسبل العيش على الموارد الطبيعية.

ومع اقتراب مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون (COP31)، المقرر عقده في مدينة أنطاليا التركية، تبرز أهمية التحضير الوطني باعتبـاره جزءًا أساسيًا من العمل التفاوضي. فالمشاركة في مؤتمرات الأطراف تتيح للدول عرض أولوياتها، وتبادل الخبرات، وبناء الشراكـات، والمساهمة في صياغة الاستجـابـات الدولية لتغير المناخ.

ومن هذا المنطلق، تبدأ المشاركة الفعالة من تحديد المصلحة الوطنية وتحويلها إلى أولويات تفاوضية، ثم إعداد الموقف الوطني وبناء التحالفات اللازمة لدعمه.

من المصلحة الوطنية إلى الموقف التفاوضي

بالنسبة إلى موريتانيا، تتقـاطع المصلحة الوطنية مع ملفات عديدة، من بينها تمويل التكيف مع التغيرات المناخية، ومكافحة التصحر والجفاف، وحماية السواحل والموارد البحرية، والأمن المائي والغذائي، وتطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز نظم الرصد والشفافية المناخية وبناء القدرات.

ويتيح تحويل هذه الأولويات إلى مواقف تفاوضية واضحة تعزيز حضورها ضمن المسارات الدولية ذات الصلة.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين المصلحة الوطنية والموقف التفاوضي والمقترح النصي: فالمصلحة تحدد ما تحتـاج إليه الدولة، والموقف يحدد ما تطرحه في المفاوضـات، أما المقترح النصي فيحدد الكيفية التي يمكن بها إدراج هذا المطلب في قرار أو نص تفاوضي.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في إطار اتفاق باريس، الذي ينظم إعداد وإبلاغ المساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) ومتابعة التقدم في مسار تنفيذها، ضمن منظومة تراعي الظروف الوطنية المختلفة.

التحضير الوطني يبدأ من نواكشوط

يمثل التحضير الوطني قاعدة أسـاسية للمشـاركة في مؤتمرات الأطراف، من خلال تحديد الأولويات، وتنسيق المواقف، وإعداد الملفات الفنية والتفاوضية.

وقد بدأت موريتانيا مسارها التحضيري لـ(COP31) مبكرًا ثم من خلال الاجتمـاع الذي ترأسته معالي وزيرة البيئة والتنمية المستدامة في نواكشوط يوم 17 سبتمبر 2026، بمشاركة نقاط الاتصال القطاعية المعنية بالمناخ في مختلف القطاعات الوزارية.

ويعكس هذا المسار أهمية العمل المشترك في بناء موقف وطني منسق يجمع بين الأولويـات القطاعية والمصالح الوطنية، ويعزز حضور موريتانيا في المفاوضات الدولية.

كما يتيح التنسيق بين قطاعـات الزراعة والثروة الحيوانية والمياه والطاقة والصيد والاقتصاد والتخطيط والمالية، إلى جانب القطاعـات المعنية بالسـاحل والموارد الطبيعية، بناء رؤية متكاملة للعمل المنـاخي الوطني.

العمل الجماعي وبناء التحالفات

تتحرك موريتانيا داخل المفاوضات المنـاخية ضمن أطر عربية وإفريقية ودولية متعددة، بما يتيح لها توسيع مجالات التعاون وتبادل الخبرات والدفـاع عن الأولويات المشتركة.

وقد تتقاطع الأولوية الموريتانية مع الموقف العربي في قضية، ومع الموقف الإفريقي في قضية أخرى، بينما تبرز في قضايا أخرى خصوصية الأولويات الوطنية. ويساعد التنسيق مع المجموعات التفاوضية على توسيع قاعدة الدعم للمواقف الوطنية، خصوصًـا في ملفات التمويل والتكيف وبناء القدرات.

إدارة الخلاف واتخاذ القرار بالتوافق

تقوم المفاوضات متعددة الأطراف على الحوار والتشاور، وتتميز مفاوضات المناخ بالاعتماد على التوافق في اتخاذ القرارات، بدل اللجوء إلى التصويت في المسائل التي لا توجد بشأنها قاعدة تصويت متفق عليها.

وتشارك جميع الدول الأطراف في العملية التفاوضية على أساس المساواة في المشاركة، ولذلك لا يُحسم الخلاف بمجرد حصول أغلبية عددية، بل من خلال المشاورات والبحث عن صيغة مقبولة بين الأطراف.

وعندما تظهر مقترحات مختلفة، يمكن تعديل النصوص أو دمجها أو تطوير صيغ جديدة إلى أن يتم الوصول إلى توافق. ولهذا قد تستمر المفاوضات حول كلمة أو فقرة واحدة لفترة طويلة.

وتبرز هنا أهمية قدرة المفاوض على فهم مواقف الأطراف، وتحديد ما يمكن قبوله أو تعديله، مع الحفاظ على جوهر المصلحة الوطنية.

قوة النص التفاوضي

في مفاوضات المناخ، تحمل الصيـاغات القانونية دلالات مهمة، وقد يؤدي اختلاف بسيط في النص إلى اختلاف في طبيعة الالتزام أو مستوى قوته.

كما أن وضع عبارة بين أقواس مربعة يشير عادة إلى أنها لم تحظَ بعدُ باتفـاق بين الأطراف، وأن التفاوض بشأنها لا يزال مستمرًا.

وتتطلب قراءة النص التفاوضي فهمًا دقيقًا للصياغات القانونية وسياقها، بما يساعد المفـاوض على التعبير عن الأولويات الوطنية بصورة واضحة داخل القرارات والنصوص الدولية.

وتوفر قواعد وإجراءات وممارسـات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) الإطار العام لهذه العملية، وقد أصدرت أمانة الاتفاقية في عام 2025 «دليل رؤساء الجلسات في عملية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المنـاخ»، الذي يجمع القواعد والإجراءات والممارسات المتراكمة في إطار الاتفاقية وبروتوكول كيوتو واتفاق باريس، مع التأكيد على أنه ليس صكًا قانونيًا.

العلم في خدمة التفاوض المناخي

وتؤكد مواقف عدد من الدول النامية أهمية أن تستند المفاوضـات والقرارات المناخية إلى أفضل المعارف والأدلة العلمية المتاحة، بما يحافظ على الأساس العلمي والفني للعمل المناخي ويحد من تأثير الاعتبارات السيـاسية على القضايـا العلمية والتقنية.

وتؤدي الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) دورًا أساسيًا في توفير المعـارف العلمية، بينما تضطلع الهيئة الفرعية للمشورة العلمية والتكنولوجية (SBSTA) بربط هذه المعارف بالاحتيـاجات التفـاوضية في إطار عملية المنـاخ الدولية.

من التفاوض إلى التنفيذ

تتطلب فعالية العمل المنـاخي تكامل المسار التفاوضي الدولي مع العمل الوطني، بما يضمن ترجمة الالتزامات والأهداف إلى إجراءات وبرامج قابلة للتنفيذ والمتابعة.

وتكتسب هنا المسـاهمات المحددة وطنيًا (NDCs) وتقارير الشفافية التي تقدم كل سنتين (BTRs) أهمية خاصة، ضمن إطار الشفافية المعزز (ETF) الذي يتيح متابعة التقدم في تنفيذ الإجراءات المنـاخية ومراجعة المعلومات المقدمة بشأنها.

وقد أدرجت موريتانيا المساهمة المحددة وطنيًا الثالثة (CDN 3.0) ضمن سجل المساهمـات المحددة وطنيًا لاتفاق باريس، بما يعكس الصلة بين التخطيط الوطني والالتزامات الدولية.

وتتكامل هذه المنظومة مع بلاغات موريتانيا الوطنية الأربعة (CNs)، وخطة التكيف الوطنية (PNA)، والاستراتيجية طويلة الأجل منخفضة الانبعاثات (LT-LEDS)، إلى جانب الجرد الوطني لانبعاثات غازات الدفيئة.

وتوفر هذه الوثائق والأدوات قاعدة معرفية مهمة لدعم التخطيط المناخي، وتحسين جودة البيانات، وتحديد احتياجات التكيف مع التغير المناخي، وإعداد المشاريع، وتعزيز القدرة على تنفيذ البرامج والإبلاغ عن نتائجها.

التمويل: من المطالبة إلى القدرة على الوصول

يحتل التمويل موقعًا محوريًا في المفاوضات المناخية بالنسبة إلى الدول النامية. ويؤكد اتفاق باريس، في مادة 9، أهمية الموارد المالية لمساعدة الدول النامية في مجالي التخفيف والتكيف مع التغيرات المناخية، مع مراعاة احتياجاتها وأولوياتها.

وتبرز أهمية استقرار التمويل المناخي واستمرارية الالتزامات الدولية في ظل التحولات التي شهدها المشهد المناخي الدولي خلال السنوات الأخيرة. فقد انسحبت الولايات المتحدة رسميًا من اتفاق باريس في 27 يناير 2026، كما خفّضت المملكة المتحدة في مايو 2026 تعهدها لصندوق المناخ الأخضر للفترة 2024–2027، بما يقارب 1.1 مليار دولار مقارنة بالتعهد السابق...

وتوضح هذه التطورات أن الوصول إلى التمويل المناخي لا يرتبط فقط بتعبئة موارد جديدة، وإنما أيضًا باستمرارية الالتزامات المالية الدولية وقدرة الصناديق المناخية على توفير موارد يمكن للدول النامية الاعتمـاد عليها في إعداد وتنفيذ برامجها.

وبالنسبة إلى موريتانيا، يمثل تعزيز القدرة على الوصول إلى التمويل المناخي مجالًا مهمًا لترجمة الأولويات الوطنية إلى مشـاريع وبرامج قابلة للتمويل والتنفيذ.

كما تركز الدول النـامية على تبسيط شروط وإجراءات الوصول إلى التمويل المناخي، بما يتيح للدول ذات القدرات المؤسسية المحدودة الاستفادة بصورة أسرع وأكثر فعالية من الصناديق المنـاخية الدولية، مع اهتمام خاص بتبسيط متطلبات الوصول إلى صندوق التكيف مع التغيرات المناخية، وتيسير إعداد المشاريع والاعتماد، وتعزيز الدعم الفني وبناء القدرات الوطنية.

وفي هذا السياق، تبرز مبادلة الدين مقابل العمل المناخي وأهداف التنمية المستدامة كأداة مالية واعدة، تتيح إمكانية إعادة توجيه جزء من أعباء الدين نحو أولويات المناخ والتنمية، مع إمكانية الاستفادة من منح أو تمويلات ميسرة وفق شروط المبادلة. وقد باشرت موريتانيـا خلال فبراير 2026، بالتعاون بين الإسكوا ووزارة البيئة والتنمية المستدامة ووزارة المالية، إعداد برنامج يهدف لمبادلة القروض بالمنح، بما يعكس انفتاحها على أدوات مبتكرة لحشد التمويل المنـاخي.

وهنا تلتقي الدبلوماسية المنـاخية مع العمل الفني والمؤسسي، من خلال تطوير البيانات، وتحديد الاحتياجات، وإعداد المشاريع، وتعزيز القدرات الوطنية على التنفيذ والمتابعة.

خاتمة

يمثل مؤتمر الأطراف (COP31) محطة جديدة في مسار العمل المناخي الموريتاني، وفرصة لتعزيز حضور موريتانيا في المفاوضـات الدولية، وتطوير التعاون والشراكات في المجالات ذات الأولوية الوطنية.

ويكتسب التحضير الجيد أهمية خاصة من خلال الجمع بين المعرفة العلمية والخبرة القانونية والفنية، وتنسيق المواقف الوطنية، ومواصلة تطوير الملفـات والمشروعات المرتبطة بالمناخ والتمويل والتنفيذ..

وتشكل أنطاليا فرصة لمواصلة هذا المسار، وتعزيز المشاركة الموريتانية في العمل المنـاخي الدولي، بما يخدم الأولويات الوطنية ويدعم جهود التنمية المستدامة ومواجهة آثار التغير المناخي.

المراجع

• اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، 1992.

• بروتوكول كيوتو، 1997.

• اتفاق باريس، 2015.

• اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، المساهمات المحددة وطنيًا (NDCs).

• اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إطار الشفافية المعزز (ETF).

• اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، تقارير الشفافية التي تقدم كل سنتين (BTRs).

• اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، دليل رؤساء الجلسات في عملية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، 2025.

• اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، المساهمة المحددة وطنيًا الثالثة لموريتانيا (CDN 3.0).

• الإسكوا، ورشة التدريب الإقليمية العشرون حول بناء القدرات في مجال مفاوضات تغير المناخ للدول العربية، مسقط، 16–18 سبتمبر 2026.

سيد المختار كواد 

باحث في مجالات العقار والتعمير والبيئة واطار بوزارة البنية والتنمية المستدامة 

2 October 2026