محمد أحمد ولد محمد الأمين.. كفاءة ونزاهة بعيدا عن الأضواء ماموني ولد مختار

أثار خروج محمد أحمد ولد محمد الأمين من تشكيلة الحكومة الجديدة تساؤلات كثيرة، بالنظر إلى مساره المهني الطويل وما عرف به من كفاءة إدارية، وحسن خلق، ونزاهة، وابتعاد عن الأضواء والمظاهر. فالرجل من المسؤولين الذين يفضلون العمل على الكلام، وأداء الواجب على الاستعراض، والهدوء على الضجيج.
منذ تخرجه من المدرسة الوطنية للإدارة، تنقل بين مسؤوليات متعددة، من حاكم مقاطعة إلى وزير للداخلية مرتين، وسفير لموريتانيا لعدة سنوات، ومدير لديوان رئيس الجمهورية. وخلال هذه المسيرة، حافظ على سمعة طيبة ارتبطت بالانضباط، والتكتم، وقلة الكلام، وحسن معاملة الناس، إلى جانب اهتمامه بشؤونه ومواظبته على تلاوة القرآن الكريم.
وشكلت الانتخابات التشريعية والبلدية لعام 2006، والانتخابات الرئاسية لعام 2007، أبرز محطات تجربته في الإشراف على الانتخابات، باعتبارها من التجارب الانتخابية التي حظيت بإجماع الطيف السياسي والمراقبين الدوليين على نزاهتها وشفافيتها.
وفي عودته إلى وزارة الداخلية في أغسطس 2024، اشتغل على حل ملفات معقدة شملت الهجرة، والأمن، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني. وعملت الوزارة في هذه المجالات على تنظيم الإجراءات الإدارية والقانونية المتعلقة بالهجرة، وتعزيز التنسيق في الملفات الأمنية، وإدارة شؤون الأحزاب وهيئات المجتمع المدني ضمن الأطر القانونية والتنظيمية.
وهي ملفات تتطلب خبرة إدارية وقدرة على التوفيق بين مقتضيات الأمن وسيادة القانون، من جهة، ومتطلبات التنظيم السياسي والمدني، من جهة أخرى. وقد نجح ولد محمد الأمين في وضع أسس قانونية وتنظيمية لتسوية هذه الملفات.
ولا يعني ذلك أن جميع السياسات والقرارات بمنأى عن النقد، وإنما يعني أن الإنصاف يقتضي تقدير حجم المسؤوليات التي اضطلع بها الرجل، مع إبقاء الأداء العام خاضعا للتقييم والمراجعة.
كما عرف، خلال عمله سفيرا لموريتانيا، بمساعدة المواطنين الموريتانيين في البلدان التي مثّل فيها بلاده، وفي فترة إدارته لديوان رئيس الجمهورية، اهتم بأصحاب الحاجات وساعدهم على إيصال مطالبهم إلى الجهات المعنية.
ولعل ما يميز محمد أحمد ولد محمد الأمين، في نظر من عرفوه وتعاملوا معه، هو الجمع بين الخبرة الإدارية، وحسن الخلق، وعفة اليد واللسان، والابتعاد عن الاستعراض. فهو قليل الكلام، متكتم، لا يسعى إلى صناعة حضور إعلامي صاخب، بل يميل إلى أداء مهامه بهدوء وانضباط.
وهذه خصال تستحق التقدير في المسؤول العام، لأن قيمة الرجل لا تقاس بالمناصب التي يتولاها وحدها، بل أيضا بنزاهته، وطريقة تعامله مع الناس، والأثر الذي يتركه في محيطه.
أما أسباب خروجه من الحكومة، فلا أملك معلومات موثوقة تكشف عنها. لكن المؤكد أنها ليست على خلفية سوء تسيير، أو فساد مالي أو أخلاقي، أو عدم كفاءة.
ومهما تكن الأسباب ، فإن مغادرة الرجل للحكومة تفتح باب النقاش حول أهمية الاحتفاظ بالخبرات الإدارية والاستفادة من أصحاب التجارب الطويلة، خصوصا حين تقترن الكفاءة بحسن السيرة والاستقامة.
ومهما يكن، فإن الخاسر من هذه المغادرة هي موريتانيا ونظامها، وأكبر الخاسرين هو رئيس الجمهورية، حيث كان الوزير المقال من أكثر المخلصين له ولبرامجه.
أكتب هذه الملاحظات عن مسؤول لم أدخل مكتبه ولا منزله، ولا تربطني به أي علاقة في حياتي، لا اعتراضا على قرار رئاسي، وإنما إنصافا لما عرفه الجميع عن الرجل من خصال مهنية وشخصية تستحق التقدير. فواجب الكاتب أن يذكر محاسن المسؤولين كما ينتقد أخطاءهم، بموضوعية واستقلال، بعيدا عن الخوف والطمع والتزلف.
قد تتغير الحكومات وتتبدل المناصب، لكن الدولة تظل في حاجة إلى مسؤولين، مثل محمد أحمد، يجمعون بين الكفاءة والنزاهة وحسن معاملة الناس. وتلك هي أبرز ما يستحق أن يبقى في الذاكرة من تجربة محمد أحمد ولد محمد الأمين: خبرة إدارية، وأخلاق رفيعة، وعمل بعيد عن الأضواء.

11 October 2026