مولاي ولد محمد لغظف.. الرجل الذي يروّض الوظائف على خلقه الرفيع

ماموني ولد مختار/ خلال مسيرتي المهنية في الصحافة، التي امتدت ثمانية وثلاثين عاما متواصلة، حرصت على أن تكون كتاباتي مستندة إلى الوقائع والشهادات والتجارب الشخصية، بعيدا عن المصالح الخاصة وحسابات التقرب من المسؤولين. ولم أطلب من أي مسؤول حاجة شخصية، ولم أدخل مكتبا رسميا لقضاء مصلحة خاصة، وأتحدى من يثبت خلاف ذلك.
ومن هذا المنطلق، أكتب عن الوزير الأمين العام السابق لرئاسة الجمهورية، السيد مولاي ولد محمد لغظف، الذي غادر منصبه بعد مسيرة طويلة في قمة هرم السلطة الموريتانية، امتدت عبر عهدين سياسيين مختلفين، وتولى خلالها مسؤوليات بالغة الحساسية، من بينها الوزارة الأولى والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية.
إن أكثر ما يستوقفني في مسيرة مولاي ولد محمد لغظف أنه قضى سنوات طويلة في مواقع متقدمة من السلطة، وتولى الوزارة الأولى نحو ست سنوات في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ثم واصل العمل معه وزيرا أمينا عاما لرئاسة الجمهورية لمدة سنتين ونصف، دون أن يرتبط اسمه، بحسب ما أعلمه وما وقفت عليه من معلومات، باتهامات معلنة بسوء التسيير أو التدبير، أو بشبهات فساد مالي أو أخلاقي جعلت منه موضع إدانة عامة.
لقد كانت فترة حكم ولد عبد العزيز من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ موريتانيا الحديث، بما شهدته من تجاذبات سياسية حادة، واتهامات متبادلة، ونقاش واسع بشأن تسيير المال العام وممارسة السلطة. وكانت مرحلة لم يسلم من درنها، في نظر كثيرين، غالبية من عملوا في محيطها أو استفادوا من مواقعها.
لكن مولاي ولد محمد لغظف خرج من تلك المرحلة، على حد التعبير الشعبي البليغ، كما تسل الشعرة من العجين: طاهرا نقيا، مرفوع الرأس، لم يلتصق اسمه بما التصق بأسماء غيره من اتهامات وشبهات.
وهذه، في حد ذاتها، شهادة تستحق أن تذكر في بلد يحتل فيه سؤال النزاهة وحماية المال العام مكانة مركزية في النقاش العام.
فالنزاهة المالية ليست مجرد الامتناع عن الاختلاس، بل تشمل أيضا صيانة المال العام، والابتعاد عن تضارب المصالح، وعدم استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب خاصة. أما النزاهة الإدارية، فتعني أن تكون الوظيفة مسؤولية لا غنيمة، وأن تظل السلطة وسيلة لخدمة الدولة، لا بابا للامتيازات الشخصية.
وأما النزاهة السياسية، فتتجلى في قدرة المسؤول على العمل في قلب السلطة دون أن يفقد استقلال شخصيته، أو يحول علاقاته السياسية إلى خصومات شخصية، أو يجعل الولاء للنظام مبررا للتخلي عن مقتضيات الأخلاق والإنصاف.
ومن هذه الزوايا، أرى أن مسيرة مولاي ولد محمد لغظف تستحق التوقف عندها، وأن من الإنصاف تسجيل ما حافظ عليه من سمعة في النزاهة.
ولم يقتصر رصيد مولاي ولد محمد لغظف، في نظري، على صورته المرتبطة بالنزاهة، بل امتد ليشمل أخلاقه وأدبه وطريقته في التعامل مع الآخرين.
فخلال سنوات اشتد فيها التوتر بين السلطة والمعارضة، حافظ على قدر من الاحترام لدى شخصيات سياسية تنتمي إلى اتجاهات مختلفة. وقد نقلت إلينا إشادات بأخلاقه من شخصيات معارضة بارزة، من بينها أحمد ولد داداه، ومسعود ولد بلخير، ومحمد ولد مولود، ومحمد المصطفى ولد بدر الدين، وغيرهم.
وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من أن أصحابها لم يكونوا جميعا من أنصار الأنظمة التي عمل الرجل في ظلها. فالاختلاف السياسي لا يمنع الإنصاف، والاعتراض على سياسات نظام لا يقتضي إنكار الخصال الحميدة لدى بعض المسؤولين العاملين فيه.
وأرى أن المحافظة على الاحترام في ظل الاستقطاب السياسي ليست أمرا هينا؛ إذ يحتاج المسؤول إلى قدر من ضبط النفس، وحسن الاستماع، والابتعاد عن الإساءة والتعالي، حتى لا يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة دائمة.
وقد جمعتني بمولاي ولد محمد لغظف رحلة إلى الغابون، حين كان يمثل رئيس الجمهورية في إحدى القمم الإفريقية. وقد أتاحت لي تلك الرحلة فرصة التعامل معه عن قرب، بعيدا عن المكاتب الرسمية والبروتوكولات.
وشهدت خلالها اهتمامه بأعضاء الوفد، ولا سيما أولئك الذين لا يتحملون مسؤوليات رسمية، وكنت واحدا منهم، وحرصه على الاطمئنان إلى أحوالهم، ومتابعة ظروف إقامتهم، وتوفير ما يحتاجون إليه من طعام وشراب. كان قريبا من الجميع، يتعامل بأدب وتواضع، دون أن يشعر من حوله بأن منصبه يضعه في مرتبة إنسانية أعلى منهم.
وقد ترك ذلك في نفسي انطباعا طيبا، وعزز ما كنت أسمعه عن أخلاقه. فالمسؤول قد يحسن اختيار عباراته أمام الكاميرات، لكن حقيقته تظهر بصورة أوضح في المواقف اليومية، وفي طريقة تعامله مع أشخاص لا ينتظر منهم منفعة أو مصلحة.
وفي عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حافظ مولاي ولد محمد لغظف، خلال أكثر من أربع سنوات قضاها وزيرا أمينا عاما لرئاسة الجمهورية، على الأسلوب نفسه في التعامل، وظل اسمه مرتبطا، لدى كثيرين، بالهدوء والتواصل والسعي إلى التفاهم بين مختلف الأطراف.
ولقد أثار إعفاء مولاي ولد محمد لغظف استغراب الرأي العام، ولا سيما المتابعين للشأن العام، بالنظر إلى طول تجربته في مواقع حساسة، وما راكمه من علاقات وخبرات داخل دوائر الحكم وخارجها.
ولذلك، لم يكن مجرد مسؤول يتولى مكتبا وصلاحيات، بل كان، بحكم سنوات عمله وعلاقاته بمختلف الأطراف، جزءا من شبكة التواصل التي تربط الرئاسة بمحيطها السياسي. ومثل هذه الأدوار لا تنتقل تلقائيا إلى من يخلف صاحبها، لأن بناء الثقة يحتاج إلى وقت، كما يحتاج إلى شخصية تجمع بين الخبرة والهدوء والقدرة على التعامل مع الاختلاف.
إن شهادتي في مولاي ولد محمد لغظف لا تعني أنه فوق النقد، لكنها شهادة أرى أن من واجبي تقديمها، استنادا إلى تجربتي الشخصية، وما عرفته من سيرته، وما وقفت عليه من شهادات عن أخلاقه وسلوكه.
لقد تولى الرجل مسؤوليات كبيرة في مرحلة شديدة الحساسية، وعمل في قلب السلطة سنوات طويلة، ومع ذلك، لم أقف على ما يثبت اتهامه بسوء التسيير أو التدبير، ولم أعرف أن سمعته العامة ارتبطت بقضية فساد مالي أو إدانة أخلاقية. كما حافظ على علاقات يسودها الاحترام مع شخصيات سياسية تختلف معه في الموقف والانتماء.
وهذه الجوانب مجتمعة هي ما يجعل الحديث عن نزاهته السياسية والإدارية والمالية والأخلاقية أمرا يستحق التوثيق، بعيدا عن المجاملة أو الحسابات الظرفية.
فالوظائف تتغير، والحكومات تتعاقب، ومراكز النفوذ تنتقل من شخص إلى آخر، لكن السمعة التي يبنيها الإنسان عبر سنوات من العمل لا تمنح بقرار تعيين، ولا تسلب بقرار إعفاء.
قد يكون من حق الرئيس أن يختار فريقه، وأن يعيد ترتيب مؤسسات الرئاسة وفق تقديره، لكن من حق الرأي العام أيضا أن يتساءل عن الأدوار التي كان يؤديها المسؤول المغادر، وعن قدرة من يخلفه على المحافظة على ما تحقق من خبرة وتواصل وثقة.
فهل كان إعفاء مولاي ولد محمد لغظف مجرد تغيير إداري، أم أن الرئاسة ستفتقد، برحيله عن هذا المنصب، شخصية راكمت خبرة طويلة، وحافظت على سمعة في النزاهة، واستطاعت أن تجمع بين موقعها في السلطة واحترام أطراف سياسية من خارجها؟
ذلك ما ستكشفه المرحلة المقبلة. أما ما أراه جديرا بالتسجيل اليوم، فهو أن مولاي ولد محمد لغظف يغادر منصبه بعد مسيرة طويلة، محتفظا برصيد كبير جدا من الأدب والتواضع والنزاهة يستحق الإنصاف.
فالمنصب قد يمنح صاحبه النفوذ، لكنه لا يمنحه النزاهة، والسلطة قد ترفع الإنسان إلى أعلى المراتب، لكن أخلاقه وحدها هي التي تحدد ما إذا كان سيغادرها مرفوع الرأس؛ وأخلاق مولاي ولد محمد لغظف هي التي ضمنت له، في تقديري، هذا الخروج المشرف.

.jpeg)