من الخوف إلى الثقة: برنامج وطني لحماية مَن يكشف الفساد

تختصر وثيقة لدى محاسب، أو شهادة موظف أو مقاول، الطريق إلى كشف فساد؛ لكنها قد تبقى حبيسة الصمت خشية فقدان الوظيفة أو الاستقرار أو تعريض الأسرة للخطر. وهنا يكمن أحد اختبارات مكافحة الفساد في موريتانيا: هل يستطيع من يكشف الخلل الاعتماد على حماية فعلية؟
لا تبدأ بلادنا من فراغ؛ فقد اعتمد مجلس الوزراء، في 26 أبريل 2023، الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2023–2030، وأُنشئت لجنة وطنية لقيادتها برئاسة الوزير الأول. وهي خطوات مؤسسية تستحق التثمين، ويتوقف أثرها على تحويل الأهداف إلى إجراءات ملموسة.
وشخّصت الاستراتيجية ضعف معرفة الجمهور بمنظومة الإبلاغ والحماية، وقصور قدرتها على تشجيع التبليغ، وتأثير الضغوط الاجتماعية، وضعف متابعة توصيات الرقابة والتدقيق. وهذه خلاصات مرحلة الإعداد، وليست حكمًا نهائيًا على الوضع الراهن، لكنها أساس لقياس التقدم.
وعززت قوانين 2025 هذا التوجه؛ فالمادة 22 من القانون 2025-021 المتعلق بمكافحة الفساد تقر حماية المبلّغين والشهود والخبراء والضحايا وذويهم، وتعاقب الانتقام والترهيب والتهديد بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 40 ألفًا إلى 200 ألف أوقية، وتحيل إجراءات الحماية الخاصة إلى مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء. بذلك أصبحت الحماية مسؤولية للدولة، والانتقام فعلًا معاقبًا عليه.
ويسند القانون 2025-023 المتعلق بالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد إليها تلقي البلاغات ووضع نظام لحماية الشهود والمبلّغين، وتنص مادته 19 على الإبلاغ بسرية وأمان، ومنصة رقمية لمتابعة التحقيقات مع حماية الهوية. وتقر المادتان 20 و21 من القانون 2025-022 المتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح آلية مجانية ومؤمنة للإبلاغ وضمانات لحماية أصحابه. وهي مكاسب تربط الحق في الحماية باختصاص مؤسسي محدد.
لكن وجود الحق، ووضوح إجراءاته، وفعاليته ثلاثة أمور مختلفة. فالموظف المهدَّد يحتاج إلى معرفة جهة الحماية، والوثائق المطلوبة، وآجال القرار، وكيفية وقف الانتقام والطعن في رفض طلبه. وفي حدود الوثائق العامة التي أمكن الاطلاع عليها، لم يتيسر التحقق من منظومة إجرائية منشورة ومتكاملة تجيب عن ذلك، أو حصيلة علنية تقيس نتائج الحماية. وهذا لا يثبت غياب الإجراءات أو التدابير الفردية، لكنه يبرز ضرورة نشرها؛ فمعرفة الناس بالضمانات شرط للاستفادة منها.
وتحتاج المنظومة إلى استكمال أو توضيح أربعة جوانب: حماية عاجلة تسبق الضرر، وتحديد الانتقام المهني، بما يشمل النقل التعسفي وحرمان الترقية والتقييم المجحف وسحب المهام؛ وضبط العلاقة بين التبليغ والسر المهني؛ وضمان التمييز بين بلاغ يستند إلى أسباب معقولة ولم تثبت شبهته، وتلفيق متعمد. فتجريم الانتقام وحده لا يكفي، وعدم إثبات الفساد لا يجعل المبلّغ كيديًا تلقائيًا.
وفي واقعنا، حيث قد تتداخل علاقات العمل والقرابة والمكانة الاجتماعية، يلزم خطاب يوضح أن التبليغ ليس استهدافًا للأشخاص أو خروجًا على الجماعة، بل مساهمة في حماية المال العام، تحفظ للدولة حق التحقيق وللمعنيين حق الدفاع.
لذلك أقترح برنامجًا وطنيًا لحماية المبلّغين والشهود في قضايا الفساد داخل السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، تفعيلًا لاختصاصها القائم، بوحدة متخصصة وموارد محددة، وفصل وظيفي بين طلب الحماية والتحقيق في البلاغ. ويُستكمل إطاره التنظيمي، والتشريعي حيث يلزم، لتحديد صلاحيات السلطة والقضاء والجهات الأمنية والإدارية، وتوفير مسار مستقل عندما يتعلق البلاغ بأحد مسؤولي السلطة نفسها.
ويتيح البرنامج التبليغ وطلب الحماية عبر منصة مؤمنة ورقم مجاني واستقبال مباشر يخدم سكان الداخل وغير المستخدمين للوسائل الرقمية. وتُفصل الهوية عن ملف الوقائع، ويُقيَّد الاطلاع عليها، مع إتاحة التواصل المجهول عندما تسمح المعلومات بتحرٍّ جدي.
وأقترح آجالًا معلنة: سبعة أيام للإشعار بالاستلام، وخمسة عشر يومًا للتقييم الأولي لطلب الحماية، وتدخلًا فوريًا عند الخطر الوشيك، وبتًا أوليًا في الحالات العاجلة خلال ثمانٍ وأربعين ساعة. وهذه مقترحات وليست إجراءات نافذة. ويكون رفض الحماية معلّلًا وقابلًا للطعن، مع تدابير قضائية استعجالية لوقف الفصل أو النقل الانتقامي وحفظ الحقوق المهنية.
ويُخصص للبرنامج اعتماد مالي للمساعدة القانونية والوقاية والدعم المؤقت عند الضرورة، بضوابط تمنع إساءة الاستخدام. وتستمر الحماية بعد حفظ البلاغ أو انتهاء التحقيق دون إدانة متى استوفى صاحبها شروطها، دون أن تمنحه حصانة عن مخالفة مستقلة يرتكبها.
وتكتمل الآلية بتقرير سنوي معلن يتضمن طلبات الحماية، وآجال معالجتها، وحالات الانتقام المثبتة، والتدابير المتخذة، مع صون الهويات وسرية التحقيق؛ لتمكين الرأي الوطني من تقييم الأثر ومساعدة الجهات المختصة على تصحيح الخلل.
لقد أُنجزت خطوات تشريعية مهمة، واستكمالها يقتضي جوابًا عمليًا عن سؤال المواطن: إذا تكلمت اليوم دفاعًا عن المال العام، فمن يحميني غدًا؟ حين تصبح الإجابة واضحة وسريعة وموثوقة، تكسب الرقابة مصادر للحقيقة، ويجد الموظف النزيه سندًا، وتتحول الحماية إلى ثقة تدعم الإصلاح.
د محمد الأمين شريف أحمد

.jpeg)