التعديل الوزاري بين بساطة الحركة وعمق المغزى.. / محمد فال حرمه

حَبَرَ الموريتانيون الكثير من الأوراق، في محاولة لاستكناه معنى التغيير الوزاري الأخير، وتباينت آراؤهم حول عدم جدوى هذا التغيير؛ بل اعتبره البعض كسرًا للتوقعات، وتأكيدًا لعدمية مرجعية القرار، وإبحارًا في فراغ المشهد، وعبثًا بمساطر القياس وقوانين التوازنات.
فيما ذهب البعض إلى اعتبار ما حدث انتصارًا لطرف سياسي، وانفرادًا بالقوة، وتبسيطًا لفكرة المغالبة داخل ما يُنظر إليه على أساس أنه صراع أجنحة النظام.
ولعل لكل هذه الاتجاهات بعض الوجاهة في ما تراه، إذا ما اعتمدنا نمط التحليل التقليدي والسائد منذ عقود في بلادنا. ويعزز فرضية المغالبة هذه أن التشكيلة الجديدة تتألف، في غالبيتها، من الشباب والنساء المتحمسين لفكرة المأمورية الثالثة.
غير أن أصحاب هذا الطرح يهملون حقيقة وجود مكابح تحول دون جدية السعي إلى العبور نحو مأمورية ثالثة. وأساس هذه المكابح عقلاني بالدرجة الأولى، ويتقاطع فيه فهم الرئيس غزواني لواقع البلاد، واستثنائية الظرف الإقليمي، وتنافر المشهد الداخلي، وتشعّب الطموحات، مع هواجس المؤسسة العسكرية من احتمال حدوث انزلاقات قد لا تكون تفاصيلها مرئية للكثيرين، لكنها مقروءة في بعض الجزئيات والتفاصيل الدقيقة للمشهد.
وهنا، لا يكفي مجرد محاولة تثبيت فكرة أن تحييد كبار ضباط المؤسسة العسكرية قد حُسم قانونيًا؛ لأن معظم الذين شملهم القانون قد لا يكونون في واجهة التخطيط لما بعد المأمورية الحالية.
ثم إن مجمل التصرفات يوحي بوجود شيء من العمق في إدارة المشهد، ووضع بعض الأطراف على الصامت مؤقتًا، حتى تتم فلترة بعض الأصوات التي تدّعي الفاعلية والتأثير. وربما تجاوز الأمر ذلك إلى جعل ما يحدث اختبارًا حقيقيًا للقدرات، في حين يُبقي النظام على بعض أوراقه إلى حين تدعو الظروف إلى كشفها.
وفي اعتقادي، أن فرضية وجود حزازات داخل دوائر الدولة ومراكز صنع القرار ليست حقيقية؛ فالدول التي تُدار بعقل استخباراتي لا يُشترط أن تُظهر الانسجام، لكنها، في المقابل، لا تحتمل التنافر وعدم التناغم. ولعل ما يراه البعض هو محاولة لـ«زرقفة» المشهد، حتى يسهل التحكم فيه بعمق، وتنـكشف الأوراق بصورة أوضح.
صحيح أن الذين يدعون إلى مأمورية ثالثة لا يتحركون من فراغ، وإنما يعملون ضمن عمق التكتيك المتبع للملمة المشهد وضبط حركيته، إلى حين الوصول إلى نهاية المأمورية الحالية. لكن الذين يتحرجون من الحديث عن المأمورية الثالثة، أو لا يستهويهم الخوض فيها، يتحركون هم أيضًا من عمق النظام، وانطلاقًا من فهم دقيق للمخاطر المحتملة في حال الاستمرار في ذلك التوجه.
وهؤلاء أيضًا يدركون أن بعض قطع رقعة اللعب لم تكتمل بعد، لكنهم لا يكبحون جماح المشاغلين؛ لأن كل حركة مشاغلة تتيح لهم فرصة أكبر لتعميق النظر، وجسّ الأغوار، واستكشاف ما وراء الظاهر.
ختامًا، أعتقد أن ما نراه رؤوسًا ليس سوى فروع صغيرة من شجرة الدولة العميقة، التي تحرّك المشهد بمرونة وبساطة ظاهريتين، لكنهما تؤشران على عمق التخطيط وعدم إغفال الصدى.
محمد فال حرمه

.jpeg)