ذكريات بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة../ محمدن ولد سيدي الملقب " بدن"

صادف انقلاب 10 يوليو 1978 وجودي متدربا في الإذاعة الوطنية في نطاق دراستي في السنة الثانية من المعهد العالي للصحافة (ISJ) في الرباط بالمغرب .. كنت أتدرب بإشراف أخي الشريف الحسن بن مولاي اعل ولم أعد أتذكر المسؤولية التي يتقلدها بالتحديد ولكنه كان نشِطا جديا محبّبا لدى الجميع .. وموازاةً للتدريب كان يتنازعني مديران كلاهما يعدُ باكتتابي رسميا فور اكتمال التدريب وهما : محمد بن حمّادي مدير الانتاج رحمه الله و يسلم بن أبنُ عبدمْ مدير الأخبار حفظه الله . وكان المدير العام للإذاعة آنذاك هو خطري بن جدُّ حفظه الله. وجاء الانقلاب على الرئيس المؤسس الاستاذ المختار بن دادّاه رحمه الله وبدأت الإذاعة تبثّ رسائل التأييد المطلق والمساندة اللامشروطة للجنة الوطنية للإنقاذ الوطني برئاسة العقيد المصطفى بن محمد السالك تغمده الله برحمته الواسعة .. وكنت في سياق التدريب ربما ساعدتُ في إعداد النشرات بصياغة نبأ أو ترجمته ولذلك السبب انعقدت الألفة قوية بيني وبين بعض مقدمي نشرات الأخبار .. و في أحد الأيام فوجئتُ بالأخ الصديق محمد يحيى بن حيْ يصطحبني معه دون سابق إنذار وبمبادرة شخصية منه إلى داخل الاستديو لأول مرة ليعهد اليّ بقراءة رسائل التأييد والمساندة مشفوعة بالأسماء والألقاب والصفات و العناوين وتذاع على الأثير مباشرة بعد نشرة الأخبار الزوالية التي موعدها الواحدة كالمعتاد! وما إن فرغ من قراءة النشرة حتى أومأ إليَّ بأن أبدأ بعد اللحن المميِّز المنذر بنهاية نشرة الأخبار فبدأتُ تلقائيا على بركة الله، ومن هنا كانت البداية .واستمرت تلك التجربة الأولى والأخيرة من نوعها في الاذاعة الوطنية بعض الوقت وقد " شرّفني " باحتكارها المشرفون على التدريب ابتداءً من ذلك اليوم .. وهمسوا في أذني بسر مكنون من أسرار الدولة العِظام مَفاده أن تلك الرسائل تصل الاذاعة يوميا من الأمانة الدائمة للجنة العسكرية بصورة منتظمة وبدون أية واسطة وأنها تحظى من المتابعة و الاهتمام لدى السلطات العسكرية الجديدة للدولة بما لا يحظى به أي برنامج آخر بما في ذلك برنامج مشهور لم أعد أتذكر عنوانه كان ينعشه أخي وصديقي أحمدو بن ميَح وقد نال من خلاله  شهرة كبيرة آنذاك ! وخلال تلك الفترة كنت من المتطفلين على العميد محمدن بن سيد ابراهيم رحمه الله في مكتبه حيث يلتئم ضحوة كل يوم مجلس للشاي وملحقاته وربما التحق بي هنالك أخي وصديقي الحميم الأستاذ جمال بن الحسن رحمه الله - لعله كان قادما من ثانوية البنين المجاورة . كان العميد يشغل آنذاك منصب رئيس مصلحة الفنون الشعبية وبجواره الشيخ محمد الأمين ولد الشيخ ولد أيه التنواجيوي الملقب "ميمين" رئيس مصلحة الشؤون الاسلامية وكان يزاوج بينها وبين إدارة مدارس ابن عامر المشهورة .. وبالمناسبة أذكر القصة التالية المتعلقة بالتأييد : كنت مرة أنا وجمال مع العميد محمدن بن سيد ابراهيم في مجلسه المذكور فوجدنا معه عميد الفن والأخلاق سيداتي ولد آبَّ رحمهما الله .. وفجأة دخل علينا الشيخ محمد الامين المذكور في طريقه إلى مكتبه المجاور وأثناء حديث له خاطف حول مواضيع الساعة و تتصدرها آنذاك التأييدات ، قال إنه أنتج شعرا في الموضوع وأنشأ قطعة تتجاوز العشرة أبيات ولا أظنها تبلغ العشرين .وهنا تناول سيداتي ورقة وطلب من العميد محمدن أن يناوله قلما لكتابة هذه القطعة.. ولكن الشيخ امتنع بقوة بحجة أنها ليست في ذلك المستوى الذي يستحق التداول وما ذلك إلا تواضعا منه ! وكانت مفاجأة الجميع كبيرة عندما قال جمال بصوته الهادئ :" لعلي حفظتها - عندي عنِّ آنَ اتخلطْ امعاهَ "!سمع الشيخ ذلك وهو يهمّ بالخروج عند الباب ، فلفت ذلك انتباهه ولزم مكانه و بقي يستمع إلى جمال وهو يملي تلك القطعة حتى نهايتها ،عندئذ رجع الينا وأقر بمطابقتها للأصل !عجبتُ ذلك اليوم من حفظ الرجل لشعر يتعلق بالمناسبات أنتجه رجل اشتهر بالفقه أكثر من الشعر .و لا يضاهي عجبي ذلك إلا ما عهدته من أخي أحمدْ بن المختار بن حامدن الذي لا أستغرب منه أن يحفظ الطلعة من الشعر الحساني من حكاية واحدة فتلك سجيته المعتادة حفظه الله ولكنني دُهشتُ منه مرة وهو يناولني كتاب " الأجنحة المتكسرة " للأديب اللبناني خليل جبران ويقول لي بالحسانية " أحكمْ لِ ذَ " فإذا به يحفظه عن ظهر قلب كما يُحفظُ الثمن في الصفحة اليُسرى من اللوح الخشبي في المحظرة القرآنية العريقة فتبارك الله أحسن الخالقين !وللتذكير كنا ثلاثتنا " دولة " ضمن رواد المركز الثقافي المصري في أوج عطائه 
وازدهاره وكنت أنفردُ عنهما في ارتياد السفارات العربية والغربية للتزود من بعض منشوراتها الدعائية وربما أختلف إلى مجالس الصحفي اللامع خيْ بابَ شيّاخ في مكان ما من لكصر قرب حي سوكوجيم و الشيخين : ابَّ ولد انَّ في منزله في الحي الاداري حيث عمارة الادارة العامة لشركة موريتل حاليا و لمرابط محمد سالم بن عدُّود في إيلو ألْ (Îlot L ) قرب القيادة العامة للحرس الوطني .
وفي إحدى ندوات المركز الثقافي المصرى حضرتُ مرة أخانا عبد القادر بن أحمد ( مفوض الشرطة لاحقاوهو ينشد نيابة عن الشاعر الذي كان غائبا كما قال ) ولأول مرة قصيدة أخينا اسماعيل بن محمد يحظيه الحائزة على الجائزة الأولى في المسابقة الشعرية التي نظمتها وزارة الثقافة سنة 1973 ومطلعها:

شنقيطُ إنّ لك الكلاءةَ والظفرْ
فابقيْ إلى جنب العروبة لا مفر 

فيها لشعبك بيت عزّ شامخ
نعم المُقام به ونعم المستقر  

شعب دعته من المحيط إلى الخلي
ج أواصر القربى فلبى واعتمر          الخ...

وفي تلك الجلسة تحولتْ "شنقيطُ " في مطلع القصيدة إلى " مورتانِ " وسط هتاف حماسيّ لبعض الشباب واستمرت إلى ذلك الحال حتى الآن !
أما القصيدة الفائزة بالجائزة الثانية (وقدرُها 45.000 افرنك افريقي كما ذكر صاحبها مؤخراً ) فهي للأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف وكادت تفوز بالمرتبة الأولى لولا مراجعة لجنة التحكيم لقرارها الأول بهذا الشأن وهي التي يقول فيها:

أيُّ مجد يحتاج للتدوين
أسوةَ المقتفي وأُنسَ الحزينِ

خبّريني يا أرضَ الاجداد عنه
أنا مصغٍ إليكِ أن تُخبريني

قد شهدتِ الشمَّ الجحاجحَ من لمْ..
تونةٍ خلف قائدٍ لمتوني 

زمرٌ قادها الامام أبو بكْ..
رٍ تهدّت بهديه المستبين 
.......
أورثوها الموحدين زمانًا 
ورواها عنهم بنو مرّينِ.     الخ ...

وما دمنا في أحضان وزارة الثقافة أذكر أنني انتُدبتُ إليها مرة من جريدة الشعب لتغطية نشاط ثقافي لعله في نطاق الاحتفالات المخلدة لذكرى الاستقلال الوطني 1975 و ولعل الوزير آنذاك اليسعَ ولد اسويد أحمد .. و قد حضر ذلك الاجتماع المنعقد في قاعة قريبة من مكتب المختار بن حامدن ، نخبة من رجال الثقافة منهم الأستاذ محمد الحنشي بن محمد صالح رحمه الله ود. محمد المختار بن ابّاه حفظه الله .و أذكر أنهما كانا متقابلين و في انتظار حضور الوزير لافتتاح الاجتماع أخذ محمد المختار ورقة وقلماً ولفت انتباهي (وأنا من الصحفيين الجالسين بجنبه ) أنه يبادل بين النظر إلى وجه صديقه محمد الحنشي والنظر إلى الورقة التي بين يديه و إذا به قد رسمه بيده رسما متطابقا بصورة عجيبة و لوح له بالرسم في بيده واستغرقا في الضحك الخافت و تبادلا عبارات خاطفة وبادر د. محمد المختار إلى تمزيق الورقة دون أن تفقد وحدتها وتماسكها وألقاها في سلة المهملات ! كل ذلك وقع بهدوء تام وعلى غفلة من الحاضرين .. وأذكر أنني كنت أترصّد تلك الورقة الممزقة لأحرز بنشرها سبقا صحفيا ولم أعدْ أتذكر ما هي الموانع التي حالتْ دون ذلك وما أكثرها لو تعلمون! أذكرُ هذه النكتة في خضم ما تتناقله وسائط التواصل الإجتماعي هذه الأيام من أنباءٍ عن صدور مذكرات أستاذنا الدكتور محمد المختار بن ابَّاه حفظه الله. فهذه النكتة تتعلق بموهبة إضافية عجيبة شاهدتها لدى الرجل بأم عيني وستبقى حاضرة في ذهني ولو غابت من بين ثنايا الكتاب.
ولعلي ابتعدتُ قليلا عن صلب الموضوع و أعود فأقول إنَّ ذلك التدريب الذي خضعت له في الاذاعة الوطنية آنذاك لم ينغصه سوى تحويلات داخلية لعلها شملتْ المدير العام للاذاعة نفسه وكيف لا وهو مترجم البيان رقم واحد وقارئه بصوته الجهوريّ عبر الأثير .. فقد أفقدت تلك التحويلات بعض من يشرفون على تدريبي مسؤولياتهم دون أن يفقدوا معنوياتهم وأخلاقهم السامية.. كان ذلك ضمن تحوّلات واسعة في الادارة الموريتانية أجرتها الحكومة الجديدة ومنها ما هو بمبادرة الوزير المكلف بالاعلام الخبير السياسي محمد يحظيه بن ابريْد اللّيل رحمه الله .وبتعيين ابريدْ الليل وزيرا للاعلام ارتفع سقف طموحي إلى أبعد من متدرب في الإذاعة الوطنية مختص في قراءة الأسماء المتغيرة زوال كل يوم عبر الأثير ! 
وسببُ ذلك الطموحِ الصاعد هو معرفتي السابقة به بواسطة أحد أقربائي وهو صديق له حميم .. وبموجب ذلك كان معالي الوزير الجديد قد ساهم بجهود حثيثةٍ في إيفادي للدراسة خارج البلاد دون أن تمون جهوده حاسمةً في تحقق ذلك الهدف المنشود. وربما يكون اللجوء إليه من جديد فرصة تدفعه لاستدراك ما فاته آنذاك  .المهم أنني استخدمتُ ذات الوساطة السابقة وضُرب لي موعد مع معالي الوزير محمد يحظيه بن ابريدْ الليل واستقبلني عشية اليوم ذاته في مكتبه في دار الثقافة فأعربتُ له عن رغبتي في استئناف العمل الرسمي في جريدة الشعب التي كنت قد انفصلتُ عنها منذ نوفمبر سنة 1976 للدراسة الجامعية .. وبهدوئه المعهود أخذ سماعة الهاتف الرسمي الثابت قليل الرنين بين يديه و اتصل بالمدير العام للشركة الموريتانية للصحافة والنشر التابعة لها جريدة الشعب، و أصدر إليه الأمر باكتتابي واستصدر لي من عنده موعدا ضحوة اليوم الموالي لتنفيذ ذلك الأمر الصريح !وفي اليوم الموعود استقبلني المدير العام المذكور صديقي المرحوم محمد بن بابتّه في مكتبه و ما خرجتُ منه إلا وأنا أحمل معي قرار التوظيف الجديد .. وربما ساعد في انسيابية الاحراءات معرفتي السابقة بالسيد المدير العام الذي كان ابّان اكتتابي أصلا في الجريدة في 8 يوليو 1975 هو رئيس تحرير النسخة الفرنسية من جريدة الشعب إلى جانب زميله الخليل النحوي رئيس تحرير النسخة العربية منها . وللقارئ أن يتساءل : و كيف المواءمة لاحقا بين الدراسة النظامية مع العمل الاداريّ الذي يفترض أنه يوميٌّ ؟!وللجواب أقول إن المشرع الموريتاني كان ولا يزال يشجع دراسة الموظفين بواسطة الاحالة إلى "وضعية التدريب " وفق إجراءات معينة تضمن للمؤسسة عودة الموظف بعد إكمال دراسته إليها لتستفيد من خبرته الجديدة وذلك مقابل مبلغ زهيد يسميه البعض "تكملة منحة " Complément de bourse وهو فعلا كذلك .. وبفضل الله  فقد استفدتُ من هذه الوضعية خلال مساري الدراسي مرتين : أولاهما خلال دراسة المتريز في الصحافة (1976 - 1980 ) و الثانية خلال دراستي لاحقا في السلك العالي من المدرسة الوطنية للادارة العمومية في الرباط ( 1982 - 1984).
إلاّ أن هذا النوع من الامتيازات قد يحتاج إما إلى ثقة متبادلة بين المستفيد ومؤسسته وهذا ما حصل فعلا بيني وبين المدير العام للمؤسسة الموريتانية الليبية للثروة البحرية في انواذيبُ بالنسبة للدراسية العليا (حيث عملت رئيس مصلحة من فاتح يونيو 1981 إلى  12 مايو 1985 م )، وإما إلى وساطة نافذة من ذوي السلطة والجاه وذلك ما لجأت اليه بالنسبة للدراسة الجامعية في السلك الأول والثاني .وإن أنس لا أنسى ذلك اليوم الذي رافقني فيه أخي الأكبر ببّها بن أحمد يوره حفظه الله من مكتبه سيرا على الأقدام - وهو إذ ذاك مدير في وزارة الاعلام - و اقتحمنا مكاتب الادارة العامة للشركة الموريتانية للصحافة والمدير العام آنذاك صديقنا محمد محمود بن الطلبه رحمه الله ولم يخرج منها إلا وبحوزته قرار إحالتي إلى التدريب لمواصلة الدراسة الجامعية في مجال الصحافة المكتوبة!ومما ساعد في تسريع الاجراءات وجود المدير الاداري والمالي للمؤسسة با سيدي آمدو 
عمدة بلدية چولْ لاحقا وتربطه علاقة قديمة حميمة بالسيّد ببّها بن أحمد يوره عندما كان أميناً اتحادياً في إحدى اتحاديتيْ الشعب في مدينة انواكشوط وكان محمدْ بن خيّار هو الأمين الاتحادي في منطقة لكصر..
ومن أيام الصحافة التي لا تبرح مخيّلتي أبدا أنني كنت كلما زرتُ المدير ببّها بن أحمد يوره في مكتبه في تلك الفترة (وهو للتذكير مخبر صحفي من حيث التصنيف المهني في الوظيفة العمومية )، أجد في إحدى المصالح التابعة له أحد المشرفين السابقين على تدريبي في الاذاعة الموريتانية وهو أخي الاستاذ الحسن بن مولاي اعل وهو عاكفٌ على مصحفه يقرأه بكل طمأنينة وتدبر !
عندما كنت أستاذا في المدرسة الوطنية للادارة (1985 - 1990) ، كان مدير الدروس وهو زميلي في الصحافة والدراسة العليا لاحقا الوزير الأسبق اسماعيل بن إياهي حفظه الله يستغرب دائما كيف أن المرجعية الصحفية حاضرة في ذهني دائما أكثر من المرجعية الادارية فأقول له ما مضمونه إنني أحببتُ مهنةَ الصحافة قبل حبي مهنة الادارة .. فالصحافة إذن هي  " الشغلُ " الأول بالنسبة لي !!

رحم الله السلف وبارك في الخلَف 

محمدن بن سيدي الملقب بدن .

14 February 2022